تتفاوت المستويات الاقتصادية بين الدول كما بين الأفراد! فهناك دول ثرية وأخرى فقيرة.. ولكن وسائل قياس الفقر والثراء تختلف بين الأفراد والحكومات. ففي مجتمعنا السعودي مثلا نجد أنّ أحد مقاييس الثراء هو مقدار «الأشبار» التي يمتلكها المواطن من الأراضي حتى إن كانت فارغة الاّ من التراب! ولكن هذا المعيار لا يصح على الدول وإلا لكانت موريتانيا مثلا من أغنى دول العالم!
وحتى وجود الموارد الطبيعية قد يكون مؤشراً لوجود ميزة اقتصادية، ولكنها لن تتحوّل الى ثراء ما لم تُضف اليها جهود تطوير وتصنيع تسمّى «قيمة مضافة». فالعائد الذي نحصل عليه من بيع البترول الخام مثلا، يختلف عن العائد الذي نحصل عليه بعد «تصفيته» ليصبح «بنزين» أو «ديزل».. أو بعد دمجه في مركّبات صناعية ينتج عنها كل شيء تقريبا من النّظارات حتى الطائرات!
وعلى كل حال فالدول المحظوظة - مثلنا - التي لديها فوائض مالية عن احتياجاتها، يترتب عليها توظيف واستثمار هذه الأموال للايفاء بعدد من الأهداف: أولاها ضمانة الأموال وعدم تعريضها للمخاطر وثانيها زيادة احتياطياتها كنوع من الحماية من التقلبات الاقتصادية، وثالثها لتحقيـق عائدات تغطي التضخم العالمي كـحـد أدنى، ورابعها لتـكون معيـنا للأجيال القادمة ان شاء الله.
درج الأسلوب التقليدي لاستثمار هذه الفوائض النقدية في ما يطلقون عليه «أصول سائلة» (liquid assets) مثل «سندات الخزانة» (Treasury bonds). وهذه السندات عبارة عن «قروض» تقـتـرضها حكومات الدول الغنية مثل الولايات المتّحدة من الدول الأخرى. وفي المقابل تحصل الدول المقرضة على شهادات أو سندات تستحق بموجبها استعادة قروضها اضافة الى فوائد محددة. ومن المعلوم أنّ العائدات من هذه السندات تكون منخفضة نسبيا لكونها مضمونة من الدول التي أصدرتها – خصوصا عندما تكون تلك الدول غنية ومقتدرة.
ولقد دفع انخفاض عائدات هذه السندات بعض الحكومات الى سياسات استثمارية أكثر جرأة! فلقد أخـذ بـعضها باضافة استثمارات جديدة لصناديقها الاستثمارية السيادية (sovereign-wealth funds) تنم عن ادراك أعمق وأوسع للأسواق المالية العالمية. وتقدر الخزانة الأمريكية بأن مجموع الأموال المستثمرة بتلك الصناديق السيادية تبلغ ما بين 1.5 إلى 2.5 ترليون دولار.
ومعلوم أنّ معظم دول العالم لديها مثل هذه الصناديق السيادية. ولـكن أكثرها جرأة الصين وسنغافورة اللتان بادرتا إلى شراء حصص في بنوك أوروبية قوية مثل بنك «باركليز»، وشركات عملاقة مثل شركة «بلاكستون» التي ضـخـت فيها ما لا يقل عن ثلاثة مليارات دولار. وقد علّقت مجلّة «الايكونومست» البريطانية بعدد 26/7/2007 على أنّ سياسة الصين هذه ينبغي أن تؤخذ كمؤشر على تنامي وعي حكومات الدول النامية والناشئة لتحقيق عائدات أفضل لاقتصاداتها.
وإذا تميزت الصين بالجرأة، فلقد نالت النرويج وسام الابداع بتطويرها منهجاً استثمارياً يوفق بين هدفي تقليص المخاطر وتعظيم العائدات في آن واحد! يشرح ذلك مدير الاستثمارات في وزارة المالية النرويجية السيد «مارتن سكانكي» بقوله.. بما أنّ قسماً كبيراً من دخل الدولة من النفط وهو سلعة ناضبة ومتذبذبة السعر.. فلقد أنشأنا صندوقا له هدفان أولهما لحماية اقتصاد الدولة من تذبذبات أسعار النفط وثانيهما لتحقيق مدخرات طويلة الأجل للأجيال القادمة.
وبما أننا دولة نفطية بامتياز، فلماذا لا يعقد اتحاد الغرف التجارية السعودية مؤتمرا يستقطب فيه نجوم الصناديق السيادية مثل الصين وسنغافورة خصوصا النرويج لكونها تعتمد على تصدير النفط مثلنا.. لنستقي منها نصحاً قد يضيف الى رصيدنا في هذا المضمار؟!
Samirabid@Yahoo.com
كيف تستثمر الدول أموالها ؟!
11 أغسطس 2007 - 19:34
|
آخر تحديث 11 أغسطس 2007 - 19:34
تابع قناة عكاظ على الواتساب
