كما أنه من المستحيلات أن يجتمع الشيء وضده في وقت واحد ومكان واحد، كأن يجتمع الضوء والظلام، أو الحر والبرد، فإنه بالمثل لا يمكن أن يجتمع الحب والخيانة، من يحب لا يخون، ومن يخون لا يحب.
الخيانة انتهاك للحب الذي من أخص صفاته الإخلاص والصدق والارتباط الوثيق بين المحب والحبيب، أما الخيانة فإن من صفتها أنها لا تعيش سوى في وسط من الخداع والغش والكذب، وهو ما لايمكن أن يفعله محب لحبيبه!
كما يتعلق الوليد بأمه حبا فطريا يشبع حاجته للأمن والحنان، يحب الناس أوطانهم، فالوطن بالنسبة لهم هو الشجرة التي يستفيئون ظلها، والغيمة التي يرتوون بغيثها، وهو الشمس التي تبث في أطرافهم الدفء كلما لسعتهم وطأة البرد، والخيمة التي يسكنون إليها كلما أبدت لهم الحياة شيئا من وحشتها، الوطن هو الأب الذي يشعرون بالأمن في حضنه، والأم التي تلفهم في حرير حنانها، الوطن هو حياتهم وأمنهم وعزهم.
حب الوطن حبهم الخالد، حبهم الأول والأخير، تسقط رؤوسهم فوق أرضه عند ميلادهم، وتدس أجسادهم في جوف رمله بعد موتهم. فكيف يخطر ببال أحد منهم أن يجرؤ على خيانة هذا الحب؟ كيف لمحب أن يجرؤ على خيانة حبيبه؟
حين نخون الوطن نحن نخون حياتنا كلها، نخون أمسنا ويومنا وغدنا. حين نخون الوطن يعني أننا نضحي به، نتخلى عنه، نسلمه لأعدائه، فهل تجرؤ قلوبنا على فعل ذلك؟ ولم؟ لم نخون؟ هل ثمة شيء في الدنيا يستحق أن يضحى بالوطن من أجله؟ إن كنا نضحي بالوطن من أجل الحصول على شيء نظن أنه يجلب لنا السعادة، فإن تلك حماقة منا لا تدانيها حماقة!!
التضحية بالوطن ليست تعني أن تكون عميلا يخدم أعداء وطنه يتواطأ معهم ويمهد لهم الطريق للفتك به فحسب، وإنما أيضا تعني أن تتحول أنت ذاتك لتكون عدوا لوطنك أشد إيذاء وخطرا عليه من أعدائه. لكن المحبين لا يضحون بأحبتهم، ولا يسلمونهم لأعدائهم مهما بلغ الثمن.
لا أظن أن هناك فعلا أقبح من خيانة الوطن.
الخيانة والحب.. ضدان لا يجتمعان!
29 فبراير 2016 - 20:44
|
آخر تحديث 29 فبراير 2016 - 20:44
تابع قناة عكاظ على الواتساب