لم تقتصر تداعيات خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي على تبدل موازين القوى داخل المجلسين، بل فتحت الباب أمام مواجهة سياسية ورقابية واسعة مع إدارة الرئيس دونالد ترمب، إذ يستعد الديمقراطيون لاستخدام نفوذهم الجديد في فتح تحقيقات بشأن قرارات الإدارة، ومراجعة الإنفاق الحكومي، ومساءلة المسؤولين عن الحرب مع إيران، وفرض رقابة أشد على قطاعات الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.


ووفقاً لوكالة «بلومبرغ»، فإن نتائج الانتخابات منحت الديمقراطيين فرصة لتحديد أجندة الكونغرس خلال العامين القادمين، وتحويل لجان مجلسي النواب والشيوخ إلى منصات لمراقبة سياسات ترمب وملاحقة الملفات المثيرة للجدل، خصوصاً أن الرئيس، رغم عدم خوضه الانتخابات، كان حاضراً بقوة في حسابات الناخبين ومواقفهم.


تحقيقات تطال ترمب ومقربيه


يتصدر ملف الرقابة والتحقيقات أولويات الديمقراطيين، الذين تعهدوا بملاحقة شبهات الفساد ومساءلة الرئيس والمقربين منه. ومن المتوقع أن تقود لجنتا الرقابة والقضاء في مجلس النواب هذه الجهود، عبر استدعاء الشهود وطلب الوثائق، والتحقيق في الرسوم الجمركية وسياسات الهجرة وتداولات الأسهم وعلاقة ترمب بالراحل جيفري إبستين. ولا يستبعد التقرير طرح مسألة المساءلة بهدف العزل، رغم أن الديمقراطيين لم يخوضوا الانتخابات على هذا الأساس.


الإنفاق سلاحاً للضغط


ويمثل الإنفاق الحكومي جبهة أخرى للمواجهة، إذ يسعى الديمقراطيون إلى الحد من محاولات الإدارة حجب أموال أقرها الكونغرس، والتراجع عن تخفيضات طالت برامج حكومية، إلى جانب مراقبة ميزانية الدفاع التي طالب ترمب برفعها إلى 1.5 تريليون دولار. كما يعتزمون استدعاء مدير مكتب الإدارة والميزانية راسل فوت، والتحقيق في أوجه الإنفاق والتبرعات المقدمة لمشروع قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض والهدايا الأجنبية التي تلقاها الرئيس.


وتبرز أمام المشرعين مهمة التوصل إلى اتفاق لتمويل الحكومة بعد الموعد النهائي المحدد في 11 ديسمبر، وسط خلافات بشأن اعتمادات وزارة الحرب، وحاجة التشريعات المالية إلى تفاهمات مع الجمهوريين لتجاوز التعطيل في مجلس الشيوخ.


الحرب مع إيران تحت المجهر


وتأتي الحرب التي يقودها ترمب ضد إيران ضمن الملفات الأكثر حساسية، بعدما عدّتها «بلومبرغ» أحد العوامل التي أضرت بنتائج الجمهوريين. ويعتزم الديمقراطيون استخدام لجان القوات المسلحة والتحقيقات وقوانين الدفاع والإنفاق العسكري لمراجعة العمليات والسياسة الخارجية، إلى جانب بحث قرارات تحد من صلاحيات الرئيس في شن الحروب، واحتمال مساءلة وزير الحرب بيت هيجسيث.


الذكاء الاصطناعي والرقابة


وفي ملف الذكاء الاصطناعي، يتجه الديمقراطيون إلى تكثيف التحقيقات مع الشركات ورؤسائها التنفيذيين، في ظل مخاوف من المخاطر المحتملة للتكنولوجيا وتعثر التوافق على تشريعات شاملة لتنظيمها. ويكشف الملف عن انقسام داخل الحزب بين مقترحات تجميد التطوير مؤقتاً، وأخرى تدعو إلى إخضاع الأنظمة لتقييمات مستقلة وصارمة، فضلاً عن مطالب بالحد من إنشاء مراكز البيانات.


العملات المشفرة ومصالح ترمب


أما العملات المشفرة، فتواجه مرحلة رقابية أكثر تشدداً، بعد تعثر التوصل إلى إطار تنظيمي بسبب خلافات تتعلق بالأخلاقيات وتضارب المصالح، خصوصاً المشاريع التي يمتلكها ترمب في القطاع. ومن المتوقع أن تتولى إليزابيث وارن رئاسة اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ، وهي من أبرز منتقدي العملات المشفرة وعلاقاتها المالية بالرئيس، فيما تستعد لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب لقيادة نقاشات مماثلة.


وبذلك، لا تقتصر مكاسب الديمقراطيين على تعزيز حضورهم السياسي داخل الكونغرس، بل تمنحهم أدوات مؤسسية لمراقبة قرارات ترمب، وفتح ملفات إدارته أمام التحقيق والمساءلة، في مواجهة مرشحة لأن تطبع العامين القادمين من ولايته.