في رسالة سياسية وأمنية تحمل دلالات استراتيجية على عمق العلاقات المصرية السودانية، أكد وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أن أمن مصر المائي وأمن السودان مسؤولية مشتركة، قائلاً: «مياه مصر سيحميها أهل السودان قبل أن يحميها شعب مصر، وأمن السودان تحميه مصر قبل أن يحميه جيش السودان»، في تأكيد لوحدة المصير بين البلدين في مواجهة التحديات الإقليمية.
وقال سالم، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عقب اختتام الجولة الثالثة من اجتماعات آلية التشاور «2+2» لوزيري الخارجية والري في البلدين بالقاهرة، إن مصر والسودان «قلب واحد ولسان واحد وفكر واحد»، وإنهما يمثلان «سداً واحداً ضد كل السهام السامة التي تستهدف أياً منهما».
وأضاف أن رسالته من القاهرة، في ظل الحرب التي يشهدها السودان، تتمثل في التأكيد على وحدة مصير البلدين، مشدداً على أن القضايا المشتركة تتجاوز ملف المياه إلى أمن المنطقة واستقرارها ومصالح الأمتين العربية والأفريقية.
وأوضح أن الشعب السوداني قادر على الدفاع عن نفسه، مؤكداً أن الدعم المصري يمثل سنداً مهماً لبلاده في هذه المرحلة، وأن العلاقات بين البلدين تستند إلى روابط تاريخية ومصالح استراتيجية متشابكة.
اتفاقية الدفاع المشترك.. القاهرة تتحرك
وفي تطور لافت، أعلنت مصر استعدادها لاتخاذ التدابير والإجراءات التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، دعماً للسودان وضماناً لعدم المساس بوحدته أو سلامة أراضيه.
وجددت القاهرة دعمها لمؤسسات الدولة السودانية، ورفضها إنشاء كيانات موازية أو الاعتراف بها، مشددة على ضرورة احترام دول الجوار لسيادة السودان وأمنه وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.
وأكد عبد العاطي موقف مصر الثابت الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وأهمية احترام مبدأ «الملكية السودانية» للحل السياسي، إلى جانب دعم جهود الرباعية الدولية الرامية إلى إنهاء الصراع واستعادة الاستقرار.
من جانبه، أعرب سالم عن تقدير بلاده للجهود المصرية الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار، مشيداً باستقبال مصر أعداداً كبيرة من السودانيين منذ اندلاع الحرب وتقديم الدعم لهم، فضلاً عن عودة ملايين منهم طوعاً إلى بلادهم.
سد النهضة.. الأمن المائي خط أحمر
واحتل ملف المياه جانباً رئيسياً من المباحثات، إذ أكد البلدان أن الأمن المائي المصري والسوداني «جسم واحد لا يتجزأ»، وشددا على الدفاع عن حقوقهما واستخداماتهما المائية وفقاً لاتفاقية عام 1959.
وجدد الطرفان رفضهما التحركات الأحادية في حوض النيل الشرقي، معتبرين أن الإدارة الأحادية للسد الإثيوبي، في غياب آلية قانونية ملزمة لحوكمته، تمثل تهديداً لدولتي المصب.
ودعا الجانبان إثيوبيا إلى العودة للتعاون وفق قواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها مبادئ عدم إلحاق الضرر والإخطار المسبق والتشاور والتوافق، مؤكدين أهمية دور الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل في دراسة القضايا المائية وتنسيق المواقف، والحفاظ على مبادرة حوض النيل منصة جامعة للتعاون بين دوله.
ويأتي ذلك في ظل استمرار الخلاف بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بعد افتتاحه في سبتمبر 2025، دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بين الدول الثلاث.
هجمات على المنشآت السودانية وإعادة الإعمار
وفي الملف الأمني، أدان البلدان استهداف المنشآت الحيوية في السودان، خصوصاً محطات الكهرباء والمنشآت المائية، عبر هجمات بطائرات مسيرة قال البيان إنها أُطلقت من إحدى دول الجوار.
وكان سالم قد تساءل خلال المؤتمر الصحفي عن علاقة استهداف منشآت الكهرباء والمياه بالخلافات الأيديولوجية، مشيراً إلى أن آثار هذه الهجمات تطال المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن.
وأكد البيان دعم مؤسسات الدولة السودانية، وفي مقدمتها القوات المسلحة، في أداء مهامها المتعلقة بالحفاظ على الأمن القومي وحماية المنشآت الحيوية.
وبحث الجانبان دعم إعادة تأهيل البنية التحتية، ومن بينها خزان جبل أولياء، حيث تواصل فرق فنية مصرية أعمال الصيانة بالتعاون مع وزارة الزراعة والري السودانية.
كما اتفقا على تعزيز التعاون في حصاد مياه الأمطار، وإنشاء محطات للمياه الجوفية تعمل بالطاقة الشمسية، وتبادل الخبرات وتطوير أنظمة الرصد الهيدرولوجي، إلى جانب تسريع توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الموارد المائية.
وتناولت المباحثات أمن البحر الأحمر، إذ أكد البلدان أن حوكمته مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، مع رفض أي محاولات لعسكرته أو اتخاذ إجراءات أحادية تمس سيادة دوله.
وعقدت الجولة الثالثة من آلية التشاور «2+2» في القاهرة يوم الاثنين 2 نوفمبر 2026، استكمالاً للجولة الثانية التي عقدت في سبتمبر 2025، وفي إطار تعزيز التنسيق السياسي والمائي بين البلدين، وسط استمرار الحرب السودانية منذ أبريل 2023.