- هل أصبح الجوال وسيلةً للتكسب ومصدرَ رزق للبعض؟ نعم، بالتأكيد، فقد أصبح كذلك بالفعل، ولا ضير في ذلك ما دام الأمر لا يتجاوز الضوابط والآداب والأخلاقيات المهنية، ولا ينتهك خصوصية الآخرين أو يعتدي على حقوقهم.
- لكن المؤسف أن التصوير أصبح ظاهرةً متزايدة في المناسبات، دون استئذان أصحاب الشأن أو الحصول على موافقتهم؛ بل إن البعض يتجاوز ذلك إلى اقتحام خصوصية الآخرين والتقاط الصور معهم دون إذن مسبق. ومن أبسط قواعد الذوق والاحترام أن يستأذن المصوّر قبل التصوير، ويأخذ موافقة الشخص المعني؛ فقد يكون غير راغب في الظهور، أو غير مهيأ للتصوير، أو لديه أسبابه الخاصة التي ينبغي احترامها.
- لقد كثرت كاميرات الجوالات في المناسبات، وأصبح كثيرون يتسابقون لالتقاط صور «السيلفي» أو تصوير الشخصيات البارزة والمؤثرة. وهنا يبرز تساؤل مهم: ما التصنيف الدقيق لهؤلاء؟ هل هم إعلاميون، أم مؤثرون، أم مشاهير، أم مجرد هواة توثيق؟ لقد اتسعت دائرة التغطيات الفردية إلى درجة أن بعض الحاضرين باتوا يمنحون أصحاب هذه الحسابات اهتمامًا يفوق أحيانًا اهتمامهم بالجهات الإعلامية الرسمية.
- من حق كل شخص أن يبحث عن مصلحته، وأن يستثمر ما يملكه من أدوات ومهارات في تغطية المناسبات وتحقيق عائد مادي منها، لكن ذلك يفرض عليه مراجعة ما يقدمه، وتقييم أثره، ومدى التزامه بالمعايير المهنية والأخلاقية. فالمصور الذي يعمل بمفرده قد يصيب وقد يخطئ، وقد ينشر ما لا ينبغي نشره، وهنا يبرز السؤال: من يراجع محتواه؟ ومن يصحح أخطاءه قبل أن تتحول إلى تجاوزات تمس الآخرين؟
- لقد وقع بعض المصورين في تجاوزات تتعلق بالخصوصية وآداب التصوير، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى المساءلة والمحاسبة. ويبدو أن هاجس الانتشار وحصد المشاهدات والمتابعين قد يدفع البعض إلى التسرع في النشر، دون مراعاة للضوابط النظامية أو الاعتبارات الإنسانية، وكأن الحصول على لقطة مثيرة أهم من احترام مشاعر الناس وحقوقهم.
- وعندما دخلت أروقة الصحافة، كنا نسمع دائمًا أن الإعلام سلاح ذو حدين، وأن الكلمة والصورة مسؤولية قبل أن تكون وسيلةً للانتشار. ولم نكن بمنأى عن الأخطاء، ولست هنا بصدد تنزيه نفسي أو غيري عنها، لكن العمل الصحفي كان يخضع للمراجعة والمتابعة والتقييم؛ فهناك من يراجع المواد الصحفية، ويتأكد من صلاحيتها للنشر، ويطلب تعديلها متى اقتضت الحاجة. وكانت هذه المراجعة جزءًا مهمًا من منظومة العمل الإعلامي، تسهم في تصحيح الأخطاء والارتقاء بالمحتوى.
- أما اليوم، فقد أصبح النشر متاحًا للجميع، وبضغطة زر واحدة يمكن للصورة أو المقطع أن يصل إلى آلاف الأشخاص، دون أن يمر بأي مراجعة أو تدقيق. وهذه السهولة، على الرغم من إيجابياتها، تجعل المسؤولية أكبر، وتستدعي وعيًا حقيقيًا بأن حرية النشر لا تعني تجاوز حقوق الآخرين أو تجاهل أخلاقيات المهنة.
- وفي المملكة العربية السعودية، توجد ضوابط وأنظمة تنظم العمل الإعلامي والإعلاني، إلى جانب جهود الرصد والمحاسبة للحد من التجاوزات. كما أن تقديم الأفراد للمحتوى الإعلاني عبر منصات التواصل الاجتماعي يخضع لاشتراطات تنظيمية، من بينها الحصول على ترخيص «موثوق» متى انطبقت متطلباته على النشاط الممارس، وفق الأنظمة المعمول بها.
- ومن المؤسف أن نشاهد في بعض الدول ممارسات تتجاوز حدود الخصوصية، تصل إلى تصوير الأشخاص في مجالس العزاء والمناسبات الخاصة دون موافقتهم. والحمد لله أن الوعي المجتمعي والضوابط التنظيمية في المملكة يسهمان في الحد من مثل هذه الممارسات، مع تقدير حجم التحدي الذي تفرضه كثرة الحسابات والمصورين وسرعة تداول المحتوى. وتبقى جهود الهيئة العامة لتنظيم الإعلام مهمة في تعزيز الالتزام بالأنظمة، ونشر الوعي بالمسؤولية الإعلامية، والتعامل مع التجاوزات وفق الاختصاصات واللوائح ذات الصلة.
- ومن الجميل أن يوثّق الإنسان المناسبات والأحداث حين يكون لديه هدف واضح، ورسالة مفيدة، ومحتوى يضيف قيمة حقيقية. كما أن التخصص والإبداع وصناعة الأثر الإيجابي من أهم أسباب نجاح أي تجربة إعلامية. وقد استطاع بعض صناع المحتوى بالفعل أن يكسبوا ثقة المتابعين واحترامهم، بفضل جودة ما يقدمونه، وحرصهم على المصداقية، واحترامهم للآخرين. ومن حق هؤلاء، ما داموا ملتزمين بالأنظمة والضوابط، أن يستفيدوا من سوق الإعلانات ويحققوا عائدًا ماديًا نظير جهودهم.
- فالمشهد اليوم يضم نماذج متعددة؛ فمنهم من طوّر أدواته، وصقل مهاراته، وقدم محتوى مميزًا يستحق المتابعة، ومنهم من بقي أسير التكرار والسطحية. وهناك من يوثّق ليقدم معلومة نافعة أو يحفظ ذكرى جميلة، وفي المقابل من ينشغل بتضخيم صورته الشخصية، واستعراض حضوره، وجعل نفسه محورًا لكل مناسبة، حتى وإن كان ذلك على حساب قيمة المحتوى أو خصوصية الآخرين.
- وتختلف العقليات والثقافات والغايات، وهذا أمر طبيعي، لكن كل إنسان مسؤول عن اختياراته، ويعلم ما الذي يصوره، وما الذي ينشره، والأثر الذي قد يتركه في نفوس الآخرين. فالصورة ليست مجرد لقطة عابرة؛ بل قد تتحول إلى رسالة، أو ذكرى، أو مصدر أذى، بحسب طريقة التقاطها ونشرها والسياق الذي تظهر فيه.
- وفي النهاية، فإن ما تنشره عبر حساباتك هو جزء من صورتك أمام المجتمع، ومرآة تعكس وعيك وثقافتك وأخلاقك. وقد أثبت كثيرون أن احترام عقول المتابعين، وصون خصوصية الناس، والالتزام بأخلاقيات النشر، هي الطريق الأصدق لكسب التقدير والاحترام.
- فليس كل ما يمكن تصويره يستحق النشر، وليس كل ما يحقق المشاهدات يستحق أن نفعله.
وسلامتكم.