ظل النفوذ الإيراني في العالم العربي خلال العقود الماضية واحداً من أبرز التحوّلات التي أثّرت على موازين القوى في بعض دول الشرق الأوسط، وقد بنت طهران حضورها الإقليمي في المنطقة من خلال بنائها لشبكة من العلاقات السياسية والأمنية والعسكرية، مستفيدة من الأزمات التي شهدتها بعض دول المنطقة، وتعد لبنان والعراق واليمن أبرز ثلاث ساحات إقليمية مختلفة سعت إيران لإحكام نفوذها فيها، فكل دولة منها ترتبط بدرجات متفاوتة بالمشروع الإقليمي الإيراني، غير أن هذا النفوذ غدا موضع تساؤلات ملحّة اليوم عقب تغيّر الظروف الإقليمية، والتي تدور جميعها حول قدرة إيران على المحافظة على مستوى نفوذها السابق في ظل تلك التغيّرات.
من المؤكد أن حزب الله في لبنان يمثل الركيزة الأساسية للنفوذ الإيراني في لبنان، ليس فقط باعتباره قوة عسكرية وسياسية، وإنما أيضاً باعتباره جزءاً من شبكة سياسية وعسكرية إقليمية أوسع، وقد منح هذا النفوذ طهران قدرة على التأثير في المشهد اللبناني، وعلى امتلاك ورقة مهمة في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أن لبنان يواجه أزمات اقتصادية وسياسية عميقة، كما أن المجتمع اللبناني أصبح أكثر حساسية تجاه قضية حمل السلاح خارج مؤسسات الدولة، ولذلك فإن مستقبل النفوذ الإيراني في لبنان لن يرتبط فقط بقدرة حزب الله على الحفاظ على قوته، وإنما أيضاً بمدى قدرته على التعامل مع التوازنات اللبنانية الداخلية، وأي تحوّل في العلاقة بين الحزب والدولة اللبنانية يمكن أن ينعكس مباشرة على حجم النفوذ الإيراني، خصوصاً إذا اتجه لبنان نحو تعزيز مؤسسات الدولة وحصر القرار الأمني والعسكري بها.
أما العراق، فقد تحوّل بعد عام 2003 إلى ساحة رئيسية للتنافس الإقليمي والدولي، وتعد إيران من أكثر القوى استفادة من التحوّلات السياسية التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين، وقد استطاعت طهران بناء علاقات واسعة مع العديد من الأحزاب والفصائل السياسية المسلحة العراقية، ما منحها تأثيراً مهماً في الحياة السياسية والأمنية في العراق، لكن العراق في السنوات الأخيرة أظهر رغبة متزايدة في تحقيق توازن أكبر في علاقاته الخارجية وعدم الاعتماد على محور إقليمي واحد، كما أن الدولة العراقية تسعى حالياً إلى تعزيز مؤسساتها وبسط سيادتها على كامل أراضيها، ولذلك فإن النفوذ الإيراني في العراق سيبقى مؤثراً، لكنه قد ينتقل تدريجياً من النفوذ المباشر إلى نفوذ أكثر اعتماداً على العلاقات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية مع الداخل العراقي.
أما في اليمن فإن طبيعة النفوذ الإيراني فيه تختلف عن نظيرتيها في لبنان والعراق، فالنفوذ الإيراني ارتبط بصورة أساسية بعلاقة طهران بجماعة الحوثيين، التي أصبحت قوة رئيسية في المشهد اليمني، وقد منح هذا الارتباط إيران قدرة على التأثير في واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة لأمن الخليج والممرات البحرية الدولية، غير أن الحرب اليمنية أثبتت أيضاً أن النفوذ الخارجي لا يستطيع وحده حسم الصراعات الداخلية، وأن التسوية السياسية تظل الطريق الأكثر استدامة لإنهاء الأزمة، وإذا اتجه اليمن نحو اتفاق سياسي شامل، فقد تتغيّر طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، بحيث تصبح أكثر ارتباطاً بالسياسة اليمنية الداخلية وأقل اعتماداً على البعد العسكري الخارجي وحده، ولذلك فإن مستقبل النفوذ الإيراني في اليمن سيكون مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار التسوية في اليمن، وبقدرة الدولة اليمنية على استعادة مؤسساتها الوطنية.
لا يمكن الجزم بالقول بأن النفوذ الإيراني في لبنان والعراق واليمن في طريقه للزوال بشكل كامل، غير أنه من المؤكد أيضاً أنه لم يعد بالقوة التي كان عليها في مراحل سابقة، فالمنطقة تشهد إعادة ترتيب واسعة لموازين القوى، وتبحث دولها عن الاستقرار والتنمية وتعزيز سيادتها الوطنية، وفي هذا السياق تواجه إيران اختباراً حقيقياً يتمركز حول ما إذا كانت طهران ستستطيع تحويل نفوذها من كونه أدوات عسكرية وأمنية وتحوّله إلى علاقات سياسية واقتصادية أكثر استدامة، ولا شك أن الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل الدور الإيراني في العالم العربي، فالقوة وحدها قد تمنح طهران نفوذاً مؤقتاً، لكنها لا تضمن استمراره بالتأكيد، أما بناء علاقات قائمة على المصالح والاحترام المتبادل، فقد يتيح لإيران الحفاظ على حضور إقليمي مؤثر وفعّال دون الدخول في مخاطر التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.