أجهضت النتائج غير الحاسمة للانتخابات الإسرائيلية آمالاً داخل واشنطن في إعادة ضبط سريعة للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، التي شهدت تراجعاً وتوتراً متزايدين عبر الانتماءات الحزبية خلال السنوات الطويلة التي قضاها بنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
وعلى الرغم من الدعم العلني القوي الذي يقدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لنتنياهو، كانت أطراف داخل الإدارة الأمريكية، إلى جانب شخصيات من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس، تأمل في فوز المعارضة الإسرائيلية وبدء معالجة التدهور الذي تنسبه إلى سياسات نتنياهو.
وبحسب موقع «بوليتيكو» قال مسؤول سابق في إدارة ترمب، تعليقاً على الأجواء السائدة في واشنطن عقب ظهور النتائج، إن وصول حكومة أقل استفزازاً إلى السلطة كان يمكن أن يتيح فرصةً لوقف تدهور العلاقات، مضيفاً أن هناك حالة من الإرهاق السياسي تجاه نتنياهو داخل الولايات المتحدة.
وتتوزع الانتقادات الموجهة إلى الحكومة الإسرائيلية على أطياف سياسية مختلفة، تشمل الديمقراطيين المعتدلين والتقدميين، ومسؤولين بارزين في إدارة ترمب، من بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، فضلاً عن قطاعات من القاعدة المؤيدة لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» (MAGA)، التي تعارض انخراط الولايات المتحدة في الحروب الخارجية.
نتائج الانتخابات تبقي نتنياهو في السلطة مؤقتاً
وأظهرت النتائج الجزئية للانتخابات، حتى (الأربعاء)، عدم تمكن حزب الليكود بزعامة نتنياهو وحلفائه، أو حزب «ياشار» بقيادة المعارض غادي آيزنكوت وشركائه، من الحصول على الأغلبية المطلوبة في الكنيست، المؤلف من 120 مقعداً.
ويمهد هذا التعادل السياسي لأسابيع، وربما أشهر، من المفاوضات بين الأحزاب لتشكيل ائتلاف حكومي. وإذا فشلت القوى السياسية في التوصل إلى اتفاق، فقد ستضطر إسرائيل إلى إجراء انتخابات جديدة.
ويعني هذا الوضع أن نتنياهو سيواصل إدارة الحكومة خلال مرحلة المفاوضات، بالتزامن مع استعداد الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ما قد سيسمح له بالاحتفاظ بنفوذه السياسي لفترة أطول، رغم تراجع الدعم الذي تحظى به سياساته لدى قطاعات من الأمريكيين.
ويُعد نتنياهو، الذي تولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية على فترات منذ تسعينيات القرن الماضي، الوجه السياسي لعدد من السياسات التي تواجه انتقادات داخل الولايات المتحدة، خصوصاً الحرب في قطاع غزة، والخلاف بشأن خطة نزع سلاح حركة حماس، ودوره في الدفع نحو مواجهة عسكرية مع إيران.
انقسام أمريكي بشأن الحرب على إيران
وتتصاعد الخلافات في واشنطن بشأن دور نتنياهو في تحديد مسار السياسة الأمريكية تجاه إيران، إذ يرى بعض المشرعين الديمقراطيين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يمثل عقبةً أمام إنهاء انخراط الولايات المتحدة في الحرب.
وقال السيناتور الديمقراطي كريس مورفي، خلال فعالية نظمها معهد الشرق الأوسط (الأربعاء)، إن إعادة انتخاب نتنياهو ستجعله صوتاً مؤثراً لدى ترمب لمواصلة السعي إلى تغيير النظام في إيران.
وفي المقابل، ما زال نتنياهو يحتفظ بحلفاء داخل الكونغرس، من بينهم السيناتور الجمهوري تيد كروز، رئيس لجنة التجارة في مجلس الشيوخ، والسيناتور الديمقراطي جون فيترمان.
كما أكد ترمب، (الأربعاء)، تمسكه بدعم نتنياهو، معتبراً أن تأييده ساعد رئيس الوزراء الإسرائيلي على تجنب خسارةً صريحةً في الانتخابات، ويأتي ذلك رغم أن نتنياهو أثار غضب الرئيس الأمريكي في مناسبات سابقة، حتى إن ترمب وصفه ذات مرةً بأنه «مجنون».
ترمب يفضل استمرار العلاقة.. لكنه يبحث عن حكومة أكثر توافقاً
وبحسب مسؤول سابق في البيت الأبيض ما زال على اتصال بدائرة ترمب المقربة، فإن تأييد الرئيس الأمريكي لنتنياهو يرتبط بالعلاقة الشخصية بينهما، إلى جانب اعتبارات سياسية وإستراتيجية.
وقال المسؤول إن دعم نتنياهو يضمن استمرار العلاقة مع حليف معروف، في حال تمكن حزب الليكود من تجاوز التوقعات مرةً أخرى، مضيفاً أن أي رئيس حكومة جديد، سواء كان آيزنكوت أو غيره، سيحتاج إلى دعم ترمب للتعريف بنفسه أمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
لكن بعض الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل قد يفضلون تغييراً داخل الحكومة الإسرائيلية دون الإطاحة بنتنياهو بالكامل، من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية تستبعد أكثر الشخصيات تشدداً في حكومته الحالية، وهما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
ويواجه الوزيران انتقادات بسبب سياساتهما تجاه الفلسطينيين؛ إذ دفع سموتريتش باتجاه تسريع بناء المستوطنات المخصصة لليهود في الضفة الغربية، بينما أمر بن غفير بفرض ظروف احتجاز مشددة على الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، كما أيد الاثنان ما وصفاه بـ«الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من قطاع غزة.
ووفقاً للتقرير، طرح نتنياهو فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية خلال اتصالات مع البيت الأبيض، غير أن آيزنكوت رفض المقترح.
ورأى مسؤول سابق آخر في إدارة ترمب أن البيت الأبيض قد يرغب في حكومة إسرائيلية أكثر توافقاً مع توجهاته من الحكومة الحالية، معتبراً أن وجود سموتريتش وبن غفير قد يقوض عدداً من تصورات ترمب بشأن تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وأشار إلى أن معالجة هذه المشكلة قد تكون ممكنةً حتى مع بقاء نتنياهو في رئاسة الحكومة.
تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل يثير قلق الحزبين
ولم تعد الانتقادات في واشنطن مقتصرةً على أداء نتنياهو الشخصي، إذ بات الفصل بين قيادته والسياسات الإسرائيلية أكثر صعوبةً، وفقاً لمسؤولين أمريكيين سابقين.
وقال دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل خلال إدارة باراك أوباما، إن تراجع مكانة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي أصبح واضحاً في استطلاعات الرأي بمختلف الفئات السكانية، ولا سيما بين الشباب، مشيراً إلى أن جانباً كبيراً من المواقف السلبية يرتبط بنتنياهو.
وتشمل أبرز مصادر الخلاف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي اندلعت عقب هجوم حماس في أكتوبر 2023، فضلاً عن رفض نتنياهو خطةً مدعومةً من ترمب لنزع سلاح حماس، ودعمه استمرار المواجهة مع إيران.
فانس يكشف اتساع الخلاف داخل الجمهوريين
ويمتد الانقسام بشأن إسرائيل إلى الحزب الجمهوري نفسه، الذي يواجه تزايد الانتقادات بين فئات من الناخبين الشباب، بمن فيهم بعض المؤيدين المحافظين الذين يعارضون استمرار الانخراط الأمريكي في الحروب الخارجية.
وقال مسؤول سابق في إدارة ترمب إن نتنياهو أصبح هدفاً سهلاً للمعلقين السياسيين المحافظين وصناع المحتوى، بسبب ارتباط اسمه بالتطورات الإقليمية التي يرفضها بعض هؤلاء الناخبين.
آيزنكوت لا يضمن تغييراً جذرياً في السياسات الإسرائيلية
رغم أن بعض المسؤولين الأمريكيين ينظرون إلى آيزنكوت باعتباره بديلاً قد يكون أكثر حذراً في اتخاذ قرارات الحرب، فإن وصوله إلى رئاسة الحكومة لن سيضمن بالضرورة استعادة صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي.
ويتمتع آيزنكوت بخبرة عسكرية تمتد أربعة عقود، كما سبق أن شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي خلال فترة نتنياهو.
ويرى مسؤول عسكري أمريكي سابق أن شخصيته تميل إلى التأمل ودراسة الخيارات، وأنه قد يفضل تقليص أهداف الحروب قبل إطلاق حملات عسكرية واسعةً جديدةً.
لكن آيزنكوت تعهد أيضاً بالقضاء على حكم حماس خلال 18 شهراً، واستبعد إقامة دولةً فلسطينيةً، رغم تعهده بالتصدي لعنف المستوطنين وتنفيذ خطة ترمب للسلام في غزة.
كما ذكر الناخبين بأنه فقد ابنه واثنين من أبناء أشقائه في غزة خلال الحرب، وقال إنه لا يوجد في إسرائيل، بحسب تعبيره، من يريد تدمير حماس أكثر منه.
مستقبل المساعدات العسكرية مرهون بالتوازنات السياسية
وقد سيؤدي استمرار نتنياهو في السلطة إلى زيادة الضغوط داخل الحزب الديمقراطي لاتخاذ إجراءات ضد الحكومة الإسرائيلية، مثل تعطيل مبيعات الأسلحة أو تشديد الرقابة على السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقد ستتصاعد هذه التحركات إذا تمكن الديمقراطيون من السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما في انتخابات التجديد النصفي. لكن قدرة هذه الإجراءات على إحداث تغيير فعلي ستظل مرتبطةً بالتوازنات التشريعية، فضلاً عن امتلاك الرئيس الأمريكي صلاحية استخدام الفيتو ضد بعض القرارات.
وبذلك، قد ستستمر الخلافات الأمريكية الإسرائيلية حتى إذا تغيرت الحكومة في تل أبيب، في ظل تباين المواقف بشأن إيران والحرب في غزة والاستيطان ومستقبل الفلسطينيين.
وبين تعثر تشكيل الحكومة الإسرائيلية، والانقسام الأمريكي بشأن العلاقة مع تل أبيب، واستمرار الخلافات حول إيران وغزة، تبدو العلاقات بين واشنطن وإسرائيل مقبلةً على مرحلةً من عدم اليقين، لا يتوقف مسارها على هوية رئيس الحكومة فحسب، بل أيضاً على طبيعة السياسات التي ستتبناها الحكومة القادمة ومقدار استعداد الطرفين لإعادة ترتيب أولوياتهما.