للضحكة أحياناً ثمن أغلى من الذهب.. هذا ما اكتشفه كيليان مبابي في شعوب وجماهير الصين، إذ وجد نفسه، خلال ساعات بعد حفل الكرة الذهبية «البالون دور»، أمام فاتورة باهظة بسبب صورة ساخرة وتعليق عابر.
الإنسان يضحك على صورته، ويسخر من نفسه، ويظن أن العالم يشاركه الضحكة، لكن العالم واسع، والذاكرة البشرية أوسع، وما يراه إنسان طرفة قد يراه آخر مساساً بتاريخه وكرامته.
ظهر مبابي في صورة تستحضر ماو تسي تونغ، الزعيم الذي ارتبط اسمه بتأسيس الصين الحديثة، وبصفحات شديدة التعقيد في تاريخها. أطلق اللاعب تعليقاً ساخراً، فإذا بالمزحة تعبر الحدود، وتستيقظ خلفها مشاعر وطنية، وتتحرك شركات كبرى لإنهاء عقودها معه، وسط عاصفة إعلامية امتدت إلى كرة القدم نفسها.
هنا تبدو الحكاية أكبر من لاعب مشهور. فمبابي، الذي اعتاد أن تصنع قدماه الأخبار، اكتشف أن الكلمات قادرة على تسجيل أهداف عكسية. وفي لحظة واحدة، صار عليه أن يشرح قصده، ويعتذر، ويواجه جمهوراً يرى في رموزه جزءاً من ذاكرته ووجدانه.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في هذه القصة أن الشهرة تمنح صاحبها شعوراً خفياً بأن العالم قريب منه، يفهم لغته، ويعرف طريقته في المزاح. والحقيقة أن لكل مجتمع أبوابه الحسّاسة، ولكل شعب حكاياته التي تسكن القلب، وتحتاج إلى شيء من المعرفة قبل الاقتراب منها.
في ميادين الرياضة، لكل خطأ عقوبة تتناسب معه، ولكل مباراة حكم يفصل بين الطرفين. لكن في قضية مبابي، يبقى السؤال هل جاءت العقوبة بحجم الخطأ، أم أن صافرة الاقتصاد كانت أقسى من صافرة الملعب؟
لقد دفع مبابي ثمن لحظة عابرة، وربما خرج منها بدرس يعيش معه طويلاً. فالإنسان يتعلّم أحياناً من كتاب، وأحياناً من صديق، وأحياناً من خطأ صغير تفتح أبوابه على العالم كله.
أما الشهرة، فلها حكاية مختلفة؛ تصنع من صاحبها نجماً في السماء، ثم تتركه وحيداً أمام كلمة قالها على الأرض.