حين يتجول الجار المألوف بين أزقة الحي، ويشارك الأطفال تفاصيل ألعابهم البريئة، لا يتسرب إلى أذهان العائلات قط أن اليد التي تلوح لهم بالتحية قد تمتد يوماً لتنهي حياة طفلة لم تفهم من الدنيا سوى براءة الطفولة. في حي العمران الأعلى بالعاصمة التونسية، استيقظ السكان على كابوس لم يكن في الحسبان، تحولت معه أهازيج اللعب إلى فاجعة مكتملة الأركان.

بدأت القصة بخطوات صغيرة نحو الشارع بعد وجبة الإفطار، حيث استأذنت الصغيرة والدتها للحاق بأقرانها، عابرةً في طريقها لتأخذ شاحن سماعات من جارهم الشاب المعروف بـ«روبي»، والذي اعتاد اللعب مع الأطفال وكان جزءاً مألوفاً من تفاصيل المنطقة. لكن ساعات اللهو تحولت إلى صمت مطبق، فالأم التي خرجت لتتفقد ابنتها لم تجد لها أثراً، ولاحظت في الوقت ذاته غياب «روبي» عن مرأى الجميع.

وأشعلت شهادات الأطفال فتيل القلق، مؤكدين أن زميلتهم غادرت رفقة الجار المذكور. ومع إبلاغ السلطات الأمنية، بدأت رحلة بحث مضنية حول محيط الحي، لتنتهي الصدمة الأولى بالعثور على جثة الطفلة هامدة فوق سطح منزل مجاور، بينما كانت الأجهزة الأمنية تضع يدها على المشتبه به الرئيسي.

وداخل غرف التحقيق، سلك المتهم طريق المراوغة في البداية، محاولاً نسج رواية وهمية عن سيارة تجارية خطفت الطفلة من الشارع. غير أن تماسك خيوط التحقيق وتضييق الخناق عليه أجبراه على الانهيار والاعتراف بما لا يصدقه عقله البشري، إذ تبين أنه استدرج الضحية إلى داخل مسكنه، وباغتها من الخلف بحبل لفه حول رقبتها الغضة، ضاغطاً بقدميه حتى سلبها أنفاسها الأخيرة.

ولم يتوقف كابوس الجريمة عند هذا الحد، بل عمد الجاني إلى لف الجثة بقطعة قماش، ونقلها متخفياً عبر الجدار ليلقي بها فوق سطح البيت المجاور. والأدهى من ذلك، أنه عاد لارتداء قناع البراءة، منضمّاً إلى صفوف الجيران المكلومين وهم يبحثون عن الطفلة المفقودة، محاولاً تضليل العدالة وإبعاد الشبهات عن يديه الملطختين بالدماء.

واليوم، وبينما يخضع الجاني لمسار العدالة داخل أروقة القضاء التونسي في جريمة وُصفت بالعمد مع سابقية القصد، يترك هذا الرحيل القاسي ندبة عميقة في روح الحي، وتساؤلات موجعة عن خبايا الوجوه المألوفة وأقنعتها الخفية.