الجيوش الأردنية والسورية اجتمعت على الحدود وأصبحت الحرب بين البلدين على بعد لحظة تنطلق معها الرصاصة الأولى، وشاهد الناس عشرات الجنود والدبابات على أهبة الاستعداد، حدث ذلك في العام 1980، بعد شهرين من بداية الحرب العراقية الإيرانية، ونعرف أن سوريا حافظ الأسد اصطفت مع الإيرانيين والأردن مع العراقيين.


حينها قام الأمير عبدالله بن عبدالعزيز النائب الثاني ورئيس الحرس الوطني وبتوجيه من الملك خالد، رحمهما الله، بجولات مكوكية بين دمشق وعمان، لتجنيب بلدين عربيين معركة طاحنة، ولم تكن المهمة سهلة ولكن نجحت الوساطة السعودية في تفكيك تدريجي للاحتقان، والسحب التدريجي للجنود، وصولا لدعوة الملك لزعيمي البلدين لزيارة الرياض وكسر الجمود بينهما.


هذه القصة ليست الأولى ولا الأخيرة من المبادرات السعودية لحقن الدماء وتوجيه المنطقة نحو التنمية، والمبادرة لا قيمة لها إلا إذا كانت مع أطراف تُغلب الحلول الأمنية والعسكرية، وهو ما قد يجادل فيه أي شخص حول نهج إيران، وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية السعودية، بإقناع طهران بما هو غير متسق مع نهجها، عبر إبراز المشتركات وتجنيب الشعوب ويلات الحروب.


وهذا ما ورد على سبيل المثال في حديث الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله خلال زيارته لطهران في مايو 1999، حين قال إن تعاوننا الاقتصادي والثقافي يجب أن يتقدم على تعاوننا الأمني، هذا التصريح يملك قيمة أكبر من رجل دولة خاصة وهو في منصب وزير الدفاع، ويذكرنا بالحكمة التي تقول: يُقدم الساسة على الحروب، بينما يسعى الجنرالات لتجنبها.


اليوم تأتي زيارة سمو وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان برفقة رئيس أركان الجيش الباكستاني ورئيس استخبارات تركيا، وهي الدول الثلاث المنضوية في تحالف مكة، لتحمل العديد من الرسائل وعلى رأسها رؤية جديدة لأمن المنطقة، عبر أطراف وقعت اتفاقية دفاع مشترك، لكن الزيارة عبرت أيضا عن رؤية الاستقرار المشترك.


الزيارة تأتي لفتح هوة في جدار التعنت بين أمريكا وإيران، وبين مساعي نتنياهو لتجنب محاسبة الشعب الإسرائيلي حول السابع من أكتوبر بمزيد من التصعيد واستمرار الهروب للأمام، والأزمة كما نشهدها ليست بالضرورة خلافا على ملفات النووي أو غيره، بل هي ترتكز على غياب الثقة والقدرة على الخروج بأي اتفاق لا يستطيع الطرفان تسويقه كانتصار.


وتأتي الزيارة استنادا لجهود كبيرة للوسطاء باكستان وقطر، أسهمتا حتى اليوم في تقليل فرص التصادم بين طرفي الصراع، وتشكل الزيارة في تقديري خطوة تقدمية لا تمثل وساطة ولكن تمثل رؤية مشتركة لأمن المنطقة، رؤية تستشرف الاستقرار الأمني عبر الاستقرار وهو الجالب الأول للازدهار الاقتصادي.


الدبلوماسية السعودية لها ثقل كبير ومؤثر في العواصم الرئيسية في العالم، وهي دبلوماسية نظمت خطوطها عبر الغرف المغلقة وتجنب الضوضاء، فالاختراقات الدبلوماسية يجب أن تتم بأعلى درجات السرية، وعبر طرف يملك سجلا من الموثوقية.


طرفا النزاع أجهدا اقتصاديا وعسكريا من فبراير الماضي وحتى اليوم، ووجود مخرج يحفظ ماء الوجه، ويمثل سلما بسجادة حمراء للنزول من الشجرة هو الهدف الأسمى بغض النظر عن الإخراج، وهذه الزيارة التي قام بها سمو وزير الدفاع خطوة مهمة في رمزيتها ورسائلها تحتاج أن يلتقطها الطرف الآخر بحكمة وتغليب مصلحة الشعوب والأمن المشترك للمنطقة.


ويعلمنا التاريخ حكمة «ليس القوي من يكسب الحرب دائماً وإنما الضعيف من يخسر السلام دائماً».