الاجتماع الثلاثي لأطراف ممثلي دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع الحكومة الإيرانية في طهران؛ يحمل ثلاث رسائل بالغة الأهمية في توقيت حسّاس للمنطقة والعالم، وهذه الرسائل تؤكد على ضرورة خفض التصعيد العسكري واستعادة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط كأولوية قصوى، وتعزيز بناء الثقة بين دول المنطقة عبر الدبلوماسية وتقدير المصالح المشتركة لمعالجة الهواجس الأمنية، إلى جانب التعاطي الإيجابي مع جهود الوساطة الحالية بقيادة قطر وباكستان لإنهاء الأزمة الراهنة.

هذه الرسائل في توجهاتها تتطلع لمرحلة جديدة تدير فيها دول المنطقة ذاتياً أمنها ومصالحها بعيداً عن الصراعات والحروب والتدخلات الدولية، وتسعى في تفاصيلها إلى خارطة طريق وباعث أمل جديد لإنقاذ المنطقة من حرب جديدة تلوح مؤشراتها في الأفق، وهي أيضاً فرصة لاستعادة التوازن الإقليمي والدولي لإرساء السلام والحوار عبر التحالف، وليس الانفراد في سلوك أحادي للمواجهة يمتد أثره وتداعياته على المنطقة والعالم، وتحديداً في جانب الملاحة وخطوط نقل إمدادات الطاقة.

الخطوة التي قامت بها دول «اتفاقية مكة» بالاجتماع مع كبار المسؤولين الإيرانيين هي خطوة شجاعة، وتعكس الدور المحوري لهذه الدول في استتباب أمن المنطقة واستقرارها، ومواجهة التحديات برؤية إستراتيجية أكثر عمقاً ونضجاً ووعياً، وهذا الدور يكشف من جانب آخر أن الحل العسكري ليس مقدماً على الحل السياسي، كما أن الهواجس الأمنية بين إيران ودول المنطقة يمكن التعامل معها على أساس من الثقة والاحترام والمصالح المتبادلة.

حينما يكون الأمير خالد بن سلمان مع ممثلي «اتفاقية مكة» على طاولة واحدة مع المسؤولين الإيرانيين وفي قلب طهران؛ هو بحد ذاته فرصة لاستعادة الثقة، وتعزيز العمل المشترك، والخروج من الأزمة بحلول مستدامة وليس مؤقتة، وهذا الحضور من دول إقليمية مؤثرة بحجم السعودية وباكستان وتركيا هو رسالة يُفترض أن تلتقطها إيران بإيجابية للتعامل مع الأزمة الحالية، والنظر إلى هذا التحالف على أنه واقع للدفاع المشترك ليس فقط عن حدود تلك الدول، ولكن أيضاً في الدفاع عن استقرار المنطقة.

إيران الدولة -وليس الثورة- عليها أن تقرر قبل فوات الأوان، وهذا القرار ليس له علاقة بمن كسب أو خسر في هذه المعركة، ولكن الانتصار الحقيقي أن تبقى إيران وشعبها في محيطها الإقليمي للعيش بأمن وسلام وخصوصاً مع جيرانها، والتخلي عن مشروعاتها التي أوصلتها والمنطقة إلى حروب ونزاعات وتدخلات دولية لم تعد المنطقة والعالم يحتملانها، وهو ما سيتضح أكثر من مؤشرات هذا القرار حينما تكون جهود الوساطة نشطة خلال هذه الأيام، والعودة مجدّداً إلى سلام تاريخي تصنعه إيران للمنطقة وليس لها وحدها.

ممثلو «اتفاقية مكة» وضعوا رسائلهم على الطاولة، وغادروا الاجتماع في انتظار الرد الإيراني الذي لن يتأخر هذه المرة، لا سيما أن مؤشرات العودة إلى التصعيد العسكري محتملة، ولن تُمهل طهران وقتاً أطول للمناورة أو كسب الوقت، وهو ما يعطي اجتماع ممثلي «اتفاقية مكة» قيمة أكبر للتأثير في الموقف الإيراني واحتوائه، وفرصة لن تتكرر في تغليب الأمن والسلام على حساب الحرب التي لن تكون كسابقاتها.