من كان يخطر بباله، أو يتوقع مجرد توقّع، أن تتخلى جماهير الاتحاد عن دعم معشوقها ومؤازرته؟ هذه الجماهير التي كانت مضرب المثل والنموذج المشرف في الحضور الجماهيري، وملء المدرجات عن بكرة أبيها، أصبحت في هذا الموسم والموسم الذي سبقه ضئيلة جدًا في حضورها لمعظم المباريات، وبالذات تلك التي تُقام على أرضها، سواء في ملعب الإنماء أو ملعب الأمير عبدالله الفيصل.

- كنت أتوقع أن يكون سبب هذا الغياب بمثابة احتجاج مؤدب، اعتراضًا على عدم حصول الاتحاد على الدعم الذي يحظى به أشقاؤه الأندية الثلاثة المحسوبة على مالك واحد، أو تعبيرًا عن عدم رضا الجماهير عن أداء الإدارة السابقة وعملها، وبالذات رئيس النادي.

- وكان هناك من يحرض هذه الجماهير على ذلك علنًا عبر منصة «إكس»، وللأسف، إعلامي محسوب على إعلام نادي الاتحاد!

- وعلى الرغم من معرفتي بهذه الجماهير على مدى سنوات، جيلًا بعد جيل، لم أُعِر تلك الأقاويل والدعوات التحريضية أي اهتمام، انطلاقًا من ثقتي بأن جماهير الاتحاد تدرك مسؤولياتها تجاه ناديها، وأن غيابها لن يكون الحل، بل سيحقق للشامتين والمنافسين أمنياتهم وأهدافهم التي طالما تمنّوها، لتتصدر أنديتهم المشهد من ناحية الحضور الجماهيري. والأهم من ذلك، أن غياب هذه الجماهير يعني اختفاء تأثيرها الكبير في أداء النمور، وغياب ذلك الرعب الذي يصنعه ضغطها الجماهيري على لاعبي الفريق المنافس ومدربه.

- لكن، وآه ثم آه من لكن يا خسارة! لقد خيّبت هذه الجماهير ظني، وظن الكثيرين ممن كانوا يراهنون على أن جمهور الاتحاد هو الوحيد الذي يستحق لقب «نمبر ون»، وأنه لا يمكن أن يتخلى عن دعم ناديه ومؤازرته في المدرجات، مهما كانت الظروف والمحن التي يمر بها؛ فالكيان بالنسبة إليهم عشق أبدي لا يوصف.

- حتى إنني سمعت أحد المشجعين، في حديث له بأحد البرامج الرياضية، يقول إنه يحب الاتحاد أكثر من أبنائه! فيما قال آخر، إن أي خسارة للاتحاد تحرمه من الأكل والشرب والنوم لعدة أيام!

- وإذا كانت مسببات الاحتجاج قد انتهت، وافترضنا أن تلك المبررات والأعذار لم يعد لها وجود الآن، فما حجة هذه الجماهير في عزوفها عن المدرجات، بعدما تم التعاقد مع المدرب الألماني فيسينغ، الذي أسعدها وأعاد للعميد هيبته، محققًا انتصارات بالجملة في فترة قصيرة، وللاعبين ثقتهم بأنفسهم، بعدما سلبها منهم سيئ الذكر المدرب السابق كونسيساو، كل ذلك كان كفيلًا بأن يعيد هذه الجماهير إلى سابق عهدها، بتشجيع يهز أركان الملعب، وأهازيج لها طربها وسمّاعها في المملكة وخارجها. إلا أن ما شاهدته في أكثر من مباراة، وآخرها أمام الدرعية، أشعرني بحزن شديد، ولسان حالي يقول «الله يرحم زمانك يا إتي.. حتى جمهورك جار عليك!». همسة أخيرة:

- قبل كتابة هذا الهمس وأثناءه، حاولت تفادي توجيه أي لوم إلى جماهير الاتحاد، لكن الحقيقة المُرّة لا بد من ذكرها وتقبّلها. ومع ذلك، لم أجد ما يدعونني إلى الوقوف في صفها وتبرير غيابها، سوى سبب واحد، أطرحه من باب المداعبة الممزوجة بالحسرة «عين ما ذكرت الله صابت ناديهم، حسدًا على جماهير ما لها مثيل»، ويبدو أن هذه العين كانت قوية، حتى تركت أثرها السيئ في هذا الغياب المؤلم، وهذا العزوف الغريب والمدهش جدًا جدًا!