حين تقف على حافة الزمن الحاضر، تاركًا لنفسك حرية أن تقلّب كيفما شئت صفحات التاريخ المصان، وتقرأ سطور الحاضر المعيش في أيّ مجال رأيت، وتستشرف أفق المتوقع على مترتبات النتائج، ومفضيات الحوادث، وصنائع المعطيات، فمن المؤكد أنّك عائد من هذه الرّحلة بموفور الاطمئنان، وراسخ القناعة بالرّضا والاستحسان طالما كان تطوافك البهي في أفياء العلاقة الراسخة المتينة الواسمة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، هي علاقة تضرب عميقًا في جوف التاريخ البعيد تخطت فواصل الجغرافيا وحدود التاريخ بكل المعاني الساميات، تغذّيها روافد من أنهر عِذاب مفيضات بكل الخير، والكواثر المستطابة، في تبادل ثقافي ومعرفي وإنساني واجتماعي واقتصادي، وسياسي، وتجاري وكلّ شأن يهم إنسان البلدين، في تلاحم يعزّ مثيله، ويقلّ نظيره، فلا غرو إذًا أن تتطابق المواقف عبر السنين، وتلتقي الأفكار، وتتلاقح الرؤى حيال كل أمر، وتستنهض الهمم إزاء كل طارئ، وتستوفز الطاقات أمام كل تحدٍ، الوجدان واحد، والهم واحد، والمقاصد متوافقة، والسواعد متضامنة على مرّ التاريخ.
هكذا ظلّت العلاقة في أضابير التاريخ، تنبيك عنها المواقف المسطورة، والشواهد الماثلة، وإنها لأكثر تماسكًا وأجلى وضوحًا، وأشد وثاقًا وصلة في كل عهود المملكة العربية السعودية، منذ فجر التوحيد إلى يومنا هذا، بثقل تاريخي، وروحي يجعل من البلدين قطب الرحى، والركيزة الأساسية التي تضمن الأمن والاستقرار للأمة العربية، والإسلامية، وللمنطقة بعامة، فلا غرو أن تتعمق هذه العلاقة الأزلية على كافة المستويات بما يشكل امتدادًا طبيعيًا لروابط أخوية وأسرية لا تقبل القسمة ولا التغيير.
وبمثل ما كانت المملكة عونًا لمصر في طارئ الأزمات التي تحلّ بها، نهوضًا بحقها في الدفاع عنها، وذودًا عن حمى عروبتها، كانت مصر سبّاقة أيضًا بمد يد العون للمملكة، متوافقة مع أطروحاتها، مساندة لها في ما تجابهه من تحديات، ولعل موقف الرئيس المصري عبدالفتّاح السيسي المعلن والجهير بوقوفه مع المملكة في ما تتعرّض له من استهداف جبان، وعدوان بغيض من قبل مليشيا الحوثي الإرهابية، المسنودة من قبل إيران، يعبّر أصدق تعبير عن هذه العلاقة الأزلية، والمواقف المتطابقة بين البلدين، عبّرت مصر على أعلى المستويات بما هو متوقع منها، ومنتظر من قيادتها.. فما فتئ الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، يؤكد في عديد المناسبات، داخل مصر وخارجها، على أن أمن واستقرار البلدين كلٌ لا يتجزأ، وأن أمن مصر من أمن المملكة ولا يطال المملكة استهداف إلا وكانت مصر في صدارة المندّدين، بأشد العبارات التي تسمح بها الأعراف الدبلوماسية، وتقتضيها ظروف المساندة والعون وفق الأطر الرسمية.
أما على المستوى الشعبي، فيكفي ما نستشعره من الشعب المصري الشقيق من مشاعر صادقة حيال كل عدوان يقع على أرض المملكة، وبخاصة أن هذا العدوان تعدّى الخطوط الحمراء باستهداف حرمة المقدسات في الحرمين الشريفين، بما شكّل طعنة في قلب كل مسلم، ووخزة ضمير لكل من يمّم وجهه تلقاء القبلة الغراء، فشكرًا لمصر قيادة وشعبًا على هذه المشاعر الفياضة، والتعبير الصادق عن الأخوة الأزلية.
ومع كامل تقديرنا، واحترامنا لمنظومة الترتيبات القانونية التي تتبعها مصر في تحريك قواعدها العسكرية للمشاركة خارجيًا، بما يمنحها السند، وعلى أي صورة جاء تصويت برلمانها، فإن ذلك لن يغيّر الحقائق الراسخة على أرض الواقع، والمؤكدة لمتانة العلاقة بين البلدين، وتطابق وجهات النظر بين قيادتي المملكة ومصر، المواقف السياسية الثابتة والمشتركة بين قيادتي البلدين تجاه قضايا المنطقة تعكس تطابق الرؤى ووحدة الصف في الدفاع عن الأمن القومي العربي وصون مقدراته، كما يجب أن لا ينظر إليها -في حال موافقة البرلمان عليها- على اعتبارها «فزعة» تستهدف حماية المملكة أو الدفاع عن أراضيها، فالمملكة بحمد الله وعونه أولًا، وبما تمتلكه من استعداد عسكري على أعلى المستويات، قادرة بعون الله، على تأمين حدودها، وصد أي عدون، وردع أي معتدٍ، مهما استعان بغيره، وحاك من حبائل المؤامرات، واستهدف الأعيان، فلكل عدوان عواقبه، ولكل استهداف يقع عقوبته المنتظرة وشيكًا، وتحملنا الثقة دومًا في قواتنا المسلحة على التأكيد على أن أي سند خارجي إنما يأتي من باب استشعار المسؤولية المشتركة، والتعاون المؤكد لوحدة الصف، واجتماع الكلمة على إزاحة الباطل، وفي هذا إشارة إلى تكامل النظرة الإقليمية والدولية حيال هذه المليشيا المارقة ومن يدعمها، وعلى هذا ننظر لوقوف مصر، وغيرها من البلدان الشقيقة والصديقة، مع المملكة في هذه اللحظات التاريخية، ناظرين بعين أخرى إلى تكامل المملكة ومصر في كافة المجالات بما يمثل المعيار الحقيقي لقوة وحضور العالم العربي على الخريطة الدولية، فضلًا عن الشراكة الإستراتيجية المتنامية بين الرياض والقاهرة في المجالات الاقتصادية والتنموية والأمنية، والتي تؤكد أن مسيرة البلدين تحركها رؤية واحدة تستهدف نماء ونهضة شعبيهما الشقيقين.