لم تعد الحرب وحدها ما يهدد حياة السودانيين بعد أكثر من ثلاث سنوات من الصراع، إذ بات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة عدواً جديداً يطارد المزارعين ويهدد بإعادة البلاد إلى شبح المجاعة، مع تراجع الأمطار وتضرر المحاصيل ونفوق المواشي، في وقت تتقلص فيه المساعدات الإنسانية وتتزايد أعداد النازحين بحثاً عن الغذاء.
وبحسب وكالة «رويترز» تفاقمت المخاوف من أزمة غذائية جديدة مع تأثيرات ظاهرة «إل نينيو» المناخية، التي ترتبط بتغيرات واسعة في أنماط الطقس، إذ أسهمت الظروف الجافة وارتفاع درجات الحرارة في الإضرار بالمناطق الزراعية جنوب السودان، حيث تعتمد مساحات واسعة من الأراضي على مياه الأمطار لإنتاج الغذاء.
وحذر خبراء إغاثة ومسؤولون أمميون، من أن تراجع المحاصيل والإنتاج الحيواني قد يفاقم انعدام الأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق التي أنهكتها الحرب والحصار.
وفي تحذير صدر في 12 أكتوبر، قال التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، المدعوم من الأمم المتحدة، إن خطر المجاعة يتزايد في العديد من المناطق المتضررة من النزاع، مع تفاقم الأوضاع الإنسانية المتدهورة بالفعل بفعل الجفاف المرتبط بظاهرة «إل نينيو».
الأمطار عند أدنى مستوياتها منذ عقود
وتكشف بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن معدلات هطول الأمطار خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر، التي تمثل ذروة موسم الأمطار، سجلت أدنى مستوياتها منذ أكثر من 30 عاماً في أنحاء السودان.
وفي ولاية شمال دارفور غربي البلاد، تراجعت الأمطار إلى أدنى مستوى منذ عام 1984، وهو العام الذي شهد مجاعة مدمرة في السودان وإثيوبيا.
كما سجلت ولاية شمال كردفان، الواقعة في وسط البلاد، أدنى معدل للأمطار منذ عام 1990، بينما شهدت ولاية القضارف جنوب شرقي السودان أقل معدلات هطول منذ عام 1991.
وتثير هذه الأرقام مخاوف متزايدة من تراجع الإنتاج الزراعي في مناطق تمثل ركيزةً مهمةً لإمدادات الغذاء، في وقت لا تزال فيه العمليات العسكرية والنزوح يعطلان النشاط الاقتصادي والزراعي في أجزاء واسعة من البلاد.
وكان التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي قد قدر، في يونيو الماضي، أن 5.1 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات حادة من الجوع، فيما يجري حالياً تحديث التقديرات.
وكانت التوقعات تشير إلى إمكانية تراجع أعداد المتضررين مع بدء موسم الحصاد خلال نوفمبر وديسمبر، خصوصاً مع هدوء القتال في بعض المناطق، لكن الجفاف الناجم عن «إل نينيو» بات يهدد بقلب هذه التوقعات ورفع أعداد الجوعى بدلاً من خفضها.
وبحسب تقديرات برنامج الأغذية العالمي التي كشف عنها رئيس برنامجه في السودان، صامويل كليندون، من المتوقع أن يواجه 350 ألف شخص إضافي مستويات حادة من الجوع بحلول نهاية عام 2026، على أن يرتفع العدد إلى 1.2 مليون شخص إضافي بحلول أغسطس 2027.
وأوضح كليندون أن هذه الأرقام وردت في بيانات شاركها البرنامج مع الجهات المانحة، مشيراً إلى أن إقليمي دارفور وكردفان هما الأكثر تضرراً من الأزمة.
المساعدات تتراجع والجوع يتسع
وفي مواجهة الأزمة، يركز برنامج الأغذية العالمي جهوده على إيصال الغذاء إلى نحو 5 ملايين من أكثر السودانيين احتياجاً، لكنه يؤكد عدم قدرته على الوصول إلى جميع المحتاجين.
وحتى في المناطق التي يتمكن من الوصول إليها، اضطر البرنامج إلى خفض الحصص الغذائية بهدف توزيع موارده المحدودة على أكبر عدد ممكن من المستفيدين.
ووفقاً لبيانات البرنامج حتى 17 أكتوبر، بلغت الأموال المتاحة لتمويل عملياته في السودان 276 مليون دولار، أي أقل من نصف ميزانية العام الماضي، فيما يحتاج إلى 134 مليون دولار إضافية لمواجهة الجوع الناجم عن الجفاف.
وتشير بيانات لمراقبة المناخ إلى أن درجات الحرارة في القضارف يوم 20 أكتوبر تجاوزت متوسطاتها التاريخية بما يتراوح بين 7 و9 درجات مئوية، وهو فارق كبير يزيد الضغط على المحاصيل والمواشي ومصادر المياه.
وفي المقابل، قللت الحكومة السودانية من حجم التهديد الذي يواجه الإمدادات الغذائية. وقال وزير الزراعة عصمت قرشي، خلال مؤتمر صحفي في الخرطوم (8 أكتوبر)، إن محصول العام الحالي سيكون أقل من العام الماضي، لكنه لن ينخفض بصورة كبيرة.