لم تعد المنافسة الاقتصادية العالمية تقتصر على الطاقة والصناعة والتجارة، بل امتدت إلى تدفقات البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية. وفي هذا التحول، تمتلك المملكة العربية السعودية مقومات تؤهلها لبناء مركز رقمي عالمي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. غير أن الفرصة الأكبر لا تكمن في أن تكون المملكة ممرّاً لعبور البيانات فحسب، بل في أن تتحول إلى مركز ينتج القيمة الرقمية ويصدر الخدمات ويعزز حضوره في الاقتصاد العالمي.
وتستند هذه الفرصة إلى موقع المملكة على مسارات الكابلات البحرية عبر البحر الأحمر والخليج العربي، بالتكامل مع تطور البنية التحتية للاتصالات وتوافر الطاقة. لكن الموقع والاتصال والطاقة، على أهميتها، لا تصنع وحدها مركزاً رقمياً عالمياً؛ فهي توفر مقومات الانطلاق، بينما تتحدد الميزة التنافسية بقدرة المنظومة على تحويل هذه المقومات إلى خدمات ذات قيمة، وأسواق قابلة للنمو، وعوائد اقتصادية تتجاوز حدود السوق المحلية.
ومن هنا، فإن بناء مركز رقمي عالمي يتطلب النظر إلى الاقتصاد الرقمي بوصفه منظومةً مترابطةً من الطبقات، لا مجموعةً من المشاريع المستقلة. تبدأ هذه المنظومة بالبنية التحتية للاتصالات والكابلات البحرية ومراكز تبادل الإنترنت، وتمتد إلى مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وصولاً إلى البرمجيات والمنصات والخدمات المالية واللوجستية الرقمية. وتتكامل هذه الطبقات مع الخدمات الهندسية والاستشارية والتنظيمية والقانونية التي تتيح تشغيلها وتطويرها وتسويقها عالمياً. وتكمن القيمة الإستراتيجية في تكامل هذه المكونات؛ فالبنية التحتية تستقطب النشاط الرقمي، والحوسبة تمكّن المعالجة والابتكار، والخدمات المتقدمة تحول القدرات التقنية إلى منتجات وحلول قابلةً للبيع والتصدير.
وهنا يبرز السؤال الاقتصادي الحاسم: كيف تتحول هذه القدرات إلى صادرات وإيرادات وقيمة مضافة محلية؟ فحجم الاستثمارات وسعات مراكز البيانات وعدد الكابلات مؤشرات على الجاهزية، لكنها لا تكفي وحدها لقياس النجاح. المعيار الأهم هو قدرة المنظومة على جذب الطلب الدولي، وتطوير خدمات تنافسية، وزيادة حصة الشركات الوطنية من القيمة المتولدة، حيث توفر السوق السعودية قاعدةً مهمةً للانطلاق؛ إذ بلغت الإيرادات التشغيلية لقطاع تقنية المعلومات والاتصالات نحو 249.8 مليار ريال في عام 2024 وفقاً للهيئة العامة للإحصاء مما يعكس نضج القطاع والجاهزية لفرصة التوسع الخارجي.
ولا يقتصر الأثر الاقتصادي على الإيرادات المباشرة، بل يمتد إلى قطاعات الطاقة والتبريد والهندسة والتشغيل والأمن السيبراني والبحث والتطوير. وكلما ازدادت مشاركة الشركات الوطنية في سلاسل القيمة، تعاظمت فرص نقل المعرفة وتطوير الكفاءات وتوليد وظائف نوعية وتنمية صادرات الخدمات. وبذلك يمكن للاستثمار الرقمي أن يتجاوز إنشاء الأصول إلى بناء قدرات إنتاجية تلبي الطلب العالمي وتعيد تدوير جزء أكبر من عوائده داخل الاقتصاد الوطني.
ويمتد هذا التحول إلى البعد الإستراتيجي والجيوسياسي؛ فالمنافسة على الاقتصاد الرقمي لا تقوم على الاتصال والطاقة والحوسبة وحدها، بل تشمل موثوقية الخدمات، وحماية البيانات، والامتثال التنظيمي، واستمرارية التشغيل، والقدرة على مواجهة المخاطر السيبرانية. وعندما تجتمع هذه العناصر مع الكفاءة التجارية وجودة الخدمات، يمكن أن تعزز ثقة الأسواق الدولية وترسخ مكانة المملكة بوصفها حلقة وصلٍ رقمية بين مناطق اقتصادية متعددة. فالموقع الجغرافي يتيح الفرصة، لكن النفوذ الرقمي ينشأ من قدرة الدول على تقديم خدمات يعتمد عليها الآخرون ويجدون قيمة اقتصادية في استخدامها.
ويتطلب تحقيق هذا الطموح تنسيقاً مؤسسياً واستثمارات موجهة ومنافسة مع مراكز رقمية راسخة. لذلك، لا ينبغي أن يكون التوسع في البنية التحتية غايةً مستقلةً عن الطلب، بل جزء من إستراتيجية تحدد الأسواق المستهدفة والخدمات القابلة للتصدير، وتربط الاستثمارات بنمو الصادرات والقيمة المضافة المحلية ومشاركة الشركات الوطنية. إن الرهان الإستراتيجي أمام المملكة ليس مجرد استضافة تدفقات البيانات، بل بناء منظومة تحولها إلى منتجات وخدمات وإيرادات خارجية، وتجعل من الموقع الجغرافي والبنية الرقمية رافداً للنمو الاقتصادي وأداةً لتعزيز المكانة الدولية.