هناك فرصة في كل أزمة، والحروب أزمة وأفضل ما فيها أنها تكشف قيمة السلام، وتصقل تجارب الشعوب في الحياة، وتختبر صمود التحالفات وموثوقيتها، بجانب أنها تبرز أهمية ابتكار أساليب جديدة في أنماط جديدة للتعامل مع الحروب وما بعدها بما في ذلك توفير السلع والخدمات الأساسية من الماء والغذاء والدواء والصناعة والتجارة والزراعة في الظروف الصعبة.
بجانب أن الحروب تسهم في الكشف عن أساليب وأنماط إدارية مبتكرة في التعامل مع كل الاحتياجات والأحداث في الحرب والسلم، ومنها أن تتحوّل المعرفة إلى قرارات ومؤسسات. بجانب أن الحروب تعلّم الدول كيف تبني قوتها بطريقة تردع العدو دون حاجة لخوض الحروب وتكرارها.
التجربة اليابانية من أوضح التجارب في تغيير مفهوم القوة وثقافة الانتصار بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن التجربة الكورية الجنوبية برزت في النهضة التنموية الهائلة بعد الحرب، أما ألمانيا فقد نجحت بعد الحرب وتميّزت من خلال إعادة بناء المؤسسات ومراجعة العلاقات مع الخصوم.
ولأن التحوّل الياباني تجاوز إعادة بناء المدن والمصانع إلى إعادة تعريف طريق المكانة الوطنية من التوسع الإمبراطوري العسكري إلى بناء النفوذ بالصناعة والتجارة والتقنية، ضمن نظام سياسي وأمني مختلف بعد الحرب.
بينما التجربة الألمانية، أقرنت النهضة بإصلاح نقدي عام 1948 واقتصاد السوق الاجتماعي، واستفادت من خطة مارشال. وكان الدرس الأعمق في العلاقة مع فرنسا من خلال مشروع تجميع إنتاج الفحم والصلب وهو ربط مصالح خصمين تاريخيين في مؤسسات مشتركة لرفع كلفة العودة إلى الحرب.
أما كوريا الجنوبية، فتميّزت بالانتقال التدريجي من الصناعات الخفيفة إلى الصناعات الثقيلة والإلكترونيات، مع الاستثمار في التعليم والبنية التحتية والبحث والتطوير. ويصف البنك الدولي تحوّلها من متلقية للمساعدات بعد الحرب إلى اقتصاد مرتفع الدخل قائم على الابتكار بأنه من أبرز التحوّلات التنموية الحديثة.
هذه الدول نهضت بعد الحرب، ومن غير الإنصاف القول بأن الحرب كانت سبب نهضتها. فالنهضة صنعتها خيارات البناء والإصلاح، واستندت إلى قدرات سابقة ومساعدات وشراكات وظروف دولية.
لذلك، فإن أفضل ما في تجربة الحرب هو القدرة على مراجعة معنى القوة والنجاح. وأعظم استفادة من تجارب هذه الدول أن تتعلّم دروسها وهي في فترة السلام، قبل أن تضطر إلى دفع ثمنها.
في العقود الثلاثة الأخيرة -بكل أسف وحزن- دخلت عدد من الدول في حروب وأزمات إما بسبب الحروب الأهلية أو بسبب الربيع العربي وما تلاها من تداعيات، أو أنها نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لأزمات تسبّبت بها فصائل ومليشيات تدين بولائها وتمويلها وتسليحها بشكل مباشر أو غير مباشر إما للمعسكر الصهيوني أو المعسكر الإيراني.
ففي الوقت الذي بدأت فيه سورية تتعافى وتستعيد بعضاً من سيادتها ومؤسساتها، رغم كل محاولات الكيان المجرم الحيلولة دون ذلك، إلا أن هناك بعض الدول العربية تعاني حروباً وأزمات تسّببت بإبادة وتشريد العديد من اللاجئين والنازحين وتدمير البنية التحتية مثل السودان واليمن وليبيا والصومال ولبنان وإلى حد ما العراق وبعض دول الجوار العربي بسبب شهية الكيان الصهيوني وإفلاته من العقاب وبسبب تداعيات الثورة الإيرانية وما نتج عن هذين المشروعين من احتلال مباشر وصراعات داخل الدولة المنكوبة، مدفوعة بالهيمنة لأحد المشروعين على المنطقة العربية وسرقة مواردها واستعباد شعوبها.
إنني أدعو من هنا الدول المنكوبة بألا تكتفي بإعادة الإعمار وكأنه أكبر إنجاز، بل أن تجعل إعادة الإعمار مشروعاً لتغيير أسباب ضعفها، وأن تحاكي التجربة الألمانية واليابانية والكورية الجنوبية وتستفيد منها بما ينسجم ويلائم الدولة المنكوبة في اليمن أو ليبيا أو السودان أو غيرها وبما ينسجم مع مواردها الطبيعية والبشرية.
هناك خطوات وأولويات لا بد من أخذها بالاعتبار وإعطائها أولوية للدول المنكوبة: إجراء مراجعة وطنية حقيقية صادقة، لابد من بناء تسوية تجعل للناس مصلحة في السلام وتطبيق القانون واستشعار العدالة، إخضاع السلاح لمؤسسات مسؤولة أمام القانون، منح المواطن نتائج ملموسة من الاحتياجات الضرورية التي يستطيع أن يلمسها، منع تحوّل الإعمار إلى غنيمة بحيث تكون الشفافية ومكافحة الفساد والتدقيق بالعقود علناً، من الضروري استعادة الإنتاج بالتوازي مع الإغاثة، كما أن اعتبار الإنسان هو أصل مشروع النهضة بالتعليم والتدريب المهني والإنتاج وتأهيل المصابين واستعادة الوثائق المدنية، وتحويل الدعم الخارجي إلى قدرة محلية دائمة. بجانب بناء ذاكرة تتعلّم وعلاقات خارجية موثوقة.
على الدول المنكوبة ألا تكتفي بإعادة الإعمار، إنما المطلوب لكي تتحرر من المشروعين الصهيوني والإيراني، أن تحاكي تجربة اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا وتستفيد منها وفقاً لموارد كل دولة.