لا يملك مجلس التعاون الخليجي ترف الوقت كي يسد الثغرات في كيانه، بعد كل ما نشهده من تطورات إقليمية خطيرة، وتحولات في إستراتيجيات الدول الكبرى للتعامل مع المنطقة العربية، وانتظار إسرائيل لتهيئة المسرح كي تلعب دور البطولة في تشكيل المشهد القادم، بالإضافة إلى إيران التي تعمل في العلن دون مواربة لتحقيق طموحها في التغلغل والنفوذ والهيمنة من منطلق يختلط فيه التأريخي بالعقائدي، ومنصوص عليه في دستورها الثوري كهدف إستراتيجي أساسي.
وبنظرة إلى واقع مجلس التعاون الخليجي، الذي يقارب نصف قرن منذ تأسيسه، سنجد أنه حقق بعض المنجزات المهمة في عدة مجالات بحسب ما تقتضيه احتياجات المراحل، ونجح في تجاوز عقبات وتحديات كثيرة، لكنه لم يواجه تحدياً كالذي يواجهه الآن، والذي يستهدف أمنه واقتصاده، ويهدد مكتسباته التي حققتها دوله عبر زمن طويل من العمل والصبر والمثابرة، لتكون دولاً حديثة يتمتع فيها المواطن بكل منجزات الحضارة الحديثة. نستطيع القول دون مبالغة، إنه يواجه الآن تهديداً وجودياً غير مسبوق يتم بتكتيكات مختلفة وسيناريوهات متعددة، مباشرة وغير مباشرة.
من الطبيعي تفهّم وجود اختلافات بين دول المجلس في التعامل مع بعض الملفات، هذه طبيعة السياسة بحسب رؤية كل دولة. ومن الطبيعي ألّا يكون هناك تطابق في كل وجهات النظر حيال الأحداث والمتغيرات. لكل دولة حقها في تحقيق مصلحتها بالطريقة التي تراها، ولكن حين يتعلق الأمر بتهديد شامل لكل دوله، ومخططات لهدم منجزاتها والإضرار بأمنها واستقرارها، يجب عندئذ التفكير والتصرف بما يحقق المصلحة العليا للجميع، وإعادة النظر في القرارات المنفردة التي تتعارض مع هذه المصلحة.
الكتلة الخليجية كتلة واحدة جغرافياً وتأريخياً، وحاضراً ومستقبلاً، واعتقاد أي دولة فيها بأنها تستطيع الخروج عن هذه الحقيقية بما تراه يحقق مصلحتها منفردة على حساب مصلحة الجميع هو خطأ كبير سيدفع ثمنه الجميع. لم نعد نتحدث عن حلم الاتحاد أو الوحدة الفيدرالية بين دول مجلس التعاون كما كنا نفعل سابقاً، وأصبح أهم ما نريده الآن هو استشعار الخطر، وحتمية مواجهته بروح جماعية. كل القضايا الثانوية يجب تأجيلها، وكل الخلافات الثنائية أياً كانت لا بد من التسامي عليها من أجل مواجهة خطر حقيقي يهدد الجميع. التأريخ يراقب ويرصد وسوف يحكم، فدعوه يحكم لكم لا عليكم.