- أزور مصر من حين إلى آخر، مثل كثير من السعوديين الذين يجدون فيها راحةً وألفةً وارتباطاً خاصاً. فالأعداد الكبيرة من السياح والزوار السعوديين تعكس، في جانب منها، عمق المحبة والارتياح اللذين يشعر بهما أبناء المملكة في أرض الكنانة، وما يجدونه من حفاوة استقبال وكرم ضيافة يجعلان العودة إليها رغبةً تتجدد مع كل زيارة.
- زرتُ كثيراً من دول العالم ومدنه، لكنني وجدتُ في القاهرة روحاً مختلفة، وملامح إنسانية لا تشبه كثيراً من المدن التي عرفتها. ولستُ أبالغ حين أقول إن هذا الشعور يشاركني فيه كثير ممن التقيت بهم في مصر؛ فهناك سرٌّ في التعلّق بها، يتجاوز جمال المكان إلى دفء الإنسان، وعفوية التعامل، وصدق المشاعر، وحفاوة الإخوة المصريين بضيوفهم، رغم ما يحيط بهم من ظروف اقتصادية وتحديات معيشية.
- بدأت زياراتي للقاهرة قبل أكثر من ثلاثين عاماً، ثم انقطعت عنها فترة طويلة، قبل أن أعود إليها بعد غياب امتد نحو عشرين عاماً، لأرى مصر في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، وقد مرّت خلال تلك السنوات بتحولات كبيرة وأزمات متلاحقة. وجدتُ بلداً يخوض رحلة شاقة لاستعادة الاستقرار، والمضي في مشروعات التنمية، وبناء مرحلة جديدة، وسط تحديات داخلية وضغوط اقتصادية إقليمية وعالمية لم تكن سهلة.
- لقد تولّى الرئيس السيسي قيادة مصر في مرحلة بالغة الصعوبة، واجهت فيها الدولة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة. ومن وجهة نظري، فإن فهم ما تشهده مصر اليوم لا ينفصل عن قراءة الظروف التي مرت بها، وحجم التحديات التي واجهتها، والجهود المبذولة لدفع عجلة البناء والتطوير، وإن كانت نتائج هذه المشروعات وتكاليفها وآثارها الاقتصادية تظل موضوعاً يستحق التقييم والنقاش.
- ومن المواقف التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن العلاقات المصرية السعودية، موقف المملكة العربية السعودية الداعم لمصر في فترات صعبة من تاريخها الحديث. وقد ظل الرئيس السيسي يشير في مناسبات عدة إلى مواقف المملكة ومساندتها، وهو ما يعكس عمق العلاقات بين البلدين، وما يجمعهما من روابط تاريخية ومصالح إستراتيجية ومصير إقليمي مشترك.
- ولعل ما شهدته العلاقات بين البلدين من تعاون ومساندة يؤكد أن العلاقة السعودية المصرية ليست علاقة عابرة تحكمها الظروف الآنية، بل هي علاقة راسخة تشكّلت عبر عقود من التواصل والتعاون والتفاهم. فالسعودية ومصر دولتان محوريتان في المنطقة، وأي تطور في علاقتهما ينعكس على محيطهما العربي، كما أن استقرار كل منهما يمثل ركيزة مهمة لاستقرار المنطقة.
- وليس مستغرباً أن يستحضر الرئيس السيسي المواقف السعودية الإيجابية؛ فالقادة الذين يدركون قيمة الوفاء يعرفون أن المواقف الأصيلة لا تسقط بالتقادم، وأن الأزمات تكشف معادن الدول والرجال، وتُظهر حقيقة العلاقات بعيداً عن المجاملات والشعارات. وهي معانٍ نبيلة تتجلى في العلاقة بين الشعبين السعودي والمصري، بما تحمله من محبة متبادلة وذكريات ومواقف لا تُنسى.
ولكن، ماذا رأيتُ في مصر بعد هذا الغياب الطويل؟
- رأيتُ بلداً تتغير ملامحه العمرانية، وتتوسع مدنه، وتتطور بنيته التحتية. رأيتُ طرقاً جديدة، ومشروعات عمرانية واسعة، وحركة بناء لا تهدأ، وسعياً إلى تشكيل صورة حديثة للدولة المصرية. وتبرز في هذا المشهد العاصمة الإدارية الجديدة، والتجمع الخامس، ومدينة السادس من أكتوبر، والشيخ زايد، وغيرها من المدن والمناطق العمرانية التي أصبحت جزءاً من التحولات الكبرى التي تشهدها مصر.
- كما لفت انتباهي ما تشهده منطقة الساحل الشمالي من توسع عمراني وسياحي، وما يُقام فيها من مشروعات تستهدف تعزيز مكانة مصر السياحية والاستثمارية على ساحل البحر المتوسط. إنها مشروعات تعكس طموحاً كبيراً لتطوير المدن، واستقطاب الاستثمارات، وفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد المصري، وإن كان الحكم على نجاحها الحقيقي يظل مرتبطاً بقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
- ورأيتُ شعباً يملك قدرة لافتة على التكيف مع الظروف الصعبة، ويتمسك بالأمل رغم التحديات. فالمصريون، بما عُرفوا به من صبر وخفة روح واعتزاز بالهوية الوطنية، يواصلون حياتهم ويبحثون عن فرص أفضل لأبنائهم، ويتطلعون إلى أن تؤتي مشروعات التنمية ثمارها، وأن تنعكس على حياتهم اليومية في صورة استقرار اقتصادي ومعيشي أوسع.
- فليس من السهل على شعب كبير بحجم الشعب المصري أن يواجه التحولات الاقتصادية وتبعاتها، ومع ذلك يظل الأمل حاضراً في نفوس كثير من أبنائه، وتبقى مصر بما تمتلكه من طاقات بشرية وتاريخ عريق وموقع إستراتيجي قادرة على مواصلة طريقها نحو مستقبل أفضل.
- ورأيتُ كذلك كيف تحتضن مصر أبناء الدول العربية الذين دفعتهم الظروف الصعبة في بلدانهم إلى البحث عن الأمن والأمان والاستقرار. فمصر، بتاريخها ومكانتها، كانت ولا تزال مقصداً لكثيرين ممن وجدوا فيها مساحة للحياة والعمل والطمأنينة، وهو جانب إنساني يستحق التقدير، ويعكس أهمية التضامن العربي في أوقات الأزمات.
- أما السعودية، فقد رأيتُ أن محبتها حاضرة بقوة في وجدان كثير من المصريين، وأن العلاقة بين الشعبين أعمق من أن تنال منها حملات عابرة أو أصوات نشاز تظهر بين الحين والآخر على منصات التواصل الاجتماعي. فالعلاقة التي بنتها سنوات طويلة من التعايش والعمل والتعاون والمصاهرة والصداقة لا يمكن اختزالها في منشور مسيء أو مقطع مجتزأ أو خطاب يحاول زرع الخلاف بين الأشقاء.
- إن ما يجمع السعوديين والمصريين أكبر من محاولات التشكيك، وأرسخ من حملات الإساءة؛ فبين البلدين تاريخ طويل من التعاون، وبين الشعبين محبة صنعتها المواقف والروابط الإنسانية والمصالح المشتركة. وقد تختلف الآراء وتتباين وجهات النظر، لكن الحكمة تقتضي ألا نسمح للأصوات المتطرفة بأن تختطف صورة العلاقة الحقيقية بين شعبين جمعتهما الأيام والمواقف.
- مصر ليست مجرد وجهة سياحية للسعوديين، والسعودية ليست مجرد بلد عمل للمصريين؛ بل تجمعهما علاقة أخوة وتاريخ ومصير مشترك. وحين أعود إلى القاهرة بعد سنوات من الغياب، فإنني لا أرى شوارع تتغير ومدناً تتوسع فحسب، بل أرى شعباً متمسكاً بالحياة، وبلداً يسعى إلى رسم ملامح مستقبله، وعلاقة أخوية تستحق أن نحافظ عليها ونورثها للأجيال القادمة.
- وفي نهاية المطاف، تبقى الأوطان أكبر من الأزمات، وتبقى الشعوب أقدر على تجاوز الخلافات حين تتقدم المحبة والحكمة على الضجيج والمصالح الضيقة.
- أدام الله على المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وبارك في قيادتيهما، وزاد العلاقات الأخوية بين البلدين رسوخاً ومودةً ورفعة، وأبعد عنهما كل ما يعكر صفو الأخوة، وردّ كيد كل من يسعى إلى تفكيك هذه اللحمة التاريخية التي تجمع القيادتين والشعبين الشقيقين.