على جهد ارتياضك لنفسك في حمل مشاعرك بميسم الاتزان، وضبطها على مقياس يخلّصها من الانفعال الزائد إلّا أنّه ثمة مواقف وكلمات وتعبيرات، توقفك في «موقف اقشعرار الجلود»؛ بتعبير النّفري في كتابه «المواقف والمخاطبات»..
كان ذلك شأني وأنا أتابع كلمة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، في افتتاح جلسات مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين، في الرياض الأسبوع الفارط؛ حيث مازجت هذه الكلمة في طواياها بين كثير من الإشارات، والرسائل، والبشارات، بأسلوب زانه الشّمم، وسما بالرفعة، وناف بالساميات من المعاني، كفاء ما تطلبته اللحظة، وفرضته الظروف الحالية، التي تمر بها المملكة والمنطقة بأثرها، الأمر الذي استوجب لغة بارزة بالتحدّي، محتشدة بروح المواجهة متى ما كان ذلك ضرورياً، بغير ادّعاء أجوف، أو هياج عصابي منفلت، ولكنه تعبير قوي يتثامن في كفة الاتزان مع الشّواهد الناطقة على أرض الواقع.. فأيّ فخار يحسّه المرء، حين يسمع صوت الأمير عبدالعزيز صائلاً بالعز، تيّاها بالمجد المؤثّل «كلمة الخوف في القاموس السعودي ليس لها وجود»، و«كسعوديين نحن لا نهاب، ونحن أصحاب عزيمة، وسوف نثبت ذلك للعالم كله، وكل ما نمر به سنتغلب عليه»، هذا والله هو «موقف اقشعرار الجلود»، لمن مَلَك جناناً يقظاً، وروحاً تستشعر عظمة هذا الوطن، وتدرك سؤدد قيادته، وتفهم حجم ما يحاك من مؤامرات تستهدف أمنه ومقدراته ولكن هيهات!
من الضروري أن تبلغ هذه الرسالة المهمة سمع كافة حضور المؤتمر برفيع مقاماتهم، وأن يتجاوز صداها إلى كافة أركان البسيطة، لمن يعنيه الأمر، فما هي كلمة تطلق عفو الخاطر المرسل، ولكنها مُستخلصٌ لفظي موجز وناجز وبالغ أثره لمن يتطاول ويتجاوز حدّه، رسالة تطمين لمن يخشون على المملكة وأمنها وبنيتها التحتية، وبخاصة في مجال الطاقة، من هذا الاستهداف الأعمى، والمسلك الغبي، احتشد الخطاب بما يوطّد أركان الطمأنينة، ويرسي بالفخر والزهو ما يستقر عليه الواقع اليوم بأن «الرياض أصبحت عاصمة لأمن الطاقة»، لا تقف موقف العاجز حيال أي عارض أو استهداف، وإنما تذهب سريعاً نحو حل فوري لتقديم البديل الذي يضمن استمرار تدفق شريان الطاقة في أوصال العالم على قناعة أنه «لا يمكن أن يكون هناك مستقبل للطاقة للجميع دون أن يكون أمن الطاقة للجميع»، وأن «أمن الطاقة يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع التحوّلات التي يشهدها القطاع عالمياً» وهو عين ما انتبهت إليه المملكة برشد قيادتها، وإدراكها أن «التهديدات التي تتعرّض لها البنية التحتية للطاقة وسلاسل الإمداد العالمية تبرز أهمية الاستعداد المسبق والاستثمارات طويلة الأجل»، سمعنا ذلك في إشارة سموه أمام حضور المؤتمر العالمي، بالتأكيد على أن المملكة ستواصل استثماراتها في قطاع الطاقة، والوفاء بالتزاماتها وتحقيق مستهدفات رؤية 2030، مهما بلغت التحديات والظروف العالمية، ثم عقّب بالإشارة إلى الشواهد الحية على تقدير المملكة لماهية الأخطار المحتملة قبل وقوعها، وتجهيز البدائل، وهذا -لعمري- لا يصدر إلا عن حسن تخطيط، وبُعد نظر، وتسخير للمقدّرات في الوجهة السليمة، وهو ما ذكره سمو الأمير بإشارته إلى استثمار المملكة لعقود في بنيتها التحتية دون معرفة طبيعة المخاطر التي قد تواجهها مستقبلاً، ودالة ذلك خط أنابيب النفط شرق-غرب، الذي مثّل مساراً بديلاً لضمان وصول الإمدادات حال تعرّض النقل البحري للمخاطر، وهو مسار ماضٍ في التطور، والغاية أن يبلغ (10) ملايين برميل قريباً، ثم انظر كذلك إلى قدرة أرامكو في التعامل مع التحديات وإعادة تشغيل المرافق المتضررة في وجيز الزمن، بما يعكس تراكم الخبرات، ومكنة المملكة في التخطيط والصيانة، ولهذا جاء تقريظ سموه حفياً بالكوادر السعودية، زهواً يملأ بين الخافقين تيهاً بهم، في سياق قوله المنقوش على صدر الزمن «إن القوة الإستراتيجية للمملكة لا تقتصر على مواردها الطبيعية، بل تشمل المعرفة والكفاءة والعزيمة والقدرة على الإصلاح والاستبدال وإعادة التشغيل واستمرار إمدادات الطاقة في أصعب الظروف».
من العسير على المرء أن يخْلُص إلى وصف جامع بليغ لكنيز المعاني التي احتشد بها خطاب الأمير عبدالعزيز في ذلك المحفل العالمي، يمكن القول بأنه خطاب برهن أن الرياض هي المحور الرئيس والمركز الموثوق لضمان استقرار أسواق النفط والمد الموثوق للإمدادات عالمياً، بما لها من إرث ممتد واستثمارات عقود طويلة في البنية التحتية ومسارات التصدير البديلة، كما قدم الخطاب طرحاً متوازناً لماهية إستراتيجية المملكة نحو تلبية احتياجات العالم الحالية من الطاقة التقليدية، والابتكار والتوسع المتسارع في الطاقة النظيفة، والتقنيات التحويلية، وإدارة الكربون، وتكامل شبكات الكهرباء، فضلاً عن تعزيز شبكات التخزين والغاز والبنية التحتية، وتطوير التقنيات الجديدة وخفض الانبعاثات وبناء الصناعات وسلاسل الإمداد المحلية والاستثمار في الكوادر الوطنية، إضافة إلى استثمارات جديدة لرفع طاقة خط أنابيب الغاز الاستيعابية إلى 3 ملايين برميل.
كل هذه المنجزات الضخمة، والشواهد الشاخصة على وجه الأرض، وما أظهرته المملكة بجلاء في هذا الظرف الدقيق من قدرات لتجاوز الاستهداف المعلن والمُضمر، يؤهل الرياض لأن تكون «عاصمة لأمن الطاقة»، فما الاجتماع العالمي الباحث عن «مسارات نحو مستقبل طاقة للجميع» إلا خير دليل على ذلك، فقد أغنى العِيان في هذا المؤتمر عن كل بيان، وبلغتِ الرسائل بريد من عنتهم، وصعدت المملكة إلى المرتقى المنيف الذي تستحق احتيازه في هذا المؤتمر المثمر، فإنْ لم يبلغ بك الحال مبلغ الوقوف في مقام «اقشعرار الجلد» في كلّ ما سبق، فلا والله لا عذر لك، ولا مندوحة، مع قول الأمير عبدالعزيز الصيدح المرنان «نحن الذين نحدّد مستقبلنا ولن نفلته من أيدينا». فها هنا يقشعّر الجلد، ويبلغ الزهو منتهاه.