لم تكن المملكة العربية السعودية يومًا دولة هامشية في معادلات السياسة والاقتصاد، فقد ظل حضورها مؤثرًا في محيطها الإقليمي والدولي، وامتد تأثيرها إلى قضايا تتجاوز حدود الشرق الأوسط. هذا الحضور لم يكن محل خلاف في الماضي أو الحاضر، كما أن المؤشرات تؤكد استمراره في المستقبل. الجديد اليوم هو اتساع مجالات هذا التأثير وتنوع أدواته. ارتبطت صورة المملكة طويلًا بالنفط وأسواق الطاقة، ثم أخذت تتشكّل إلى جانبها صورة اقتصاد يبني مصادر جديدة للقوة والإنتاج والنفوذ.

هنا تبدأ الحكاية. صعود الدول يتجاوز تغيّر أوضاعها الداخلية، ليمتد لإعادة ترتيب حسابات القوى الإقليمية والدولية. كلما تقدّمت دولة في مجالات الاستثمار والصناعة والتقنية والسياحة والخدمات، اتسعت قدرتها على المنافسة، وتغيّرت معها خريطة المصالح الاقتصادية. في عالم لا تتوزع فيه الفرص بالتساوي، قد يكون نجاح طرف مصدر قلق لطرف آخر اعتاد أن يحتفظ بموقعه دون منافسة.

لم تعد السعودية تكتفي بأن تكون سوقًا كبيرة تستقبل المنتجات والاستثمارات، فقد أصبحت تعمل على ترسيخ مكانتها كمركز لإنتاج القيمة، واستقطاب رؤوس الأموال والمواهب، وتوطين المعرفة والتقنيات. حتى أن أثر هذا التحوّل امتد إلى سلاسل الإمداد والتجارة وتدفقات الاستثمار في المنطقة. على ضوء ذلك، تشكّلت فرص اقتصادية جديدة، وتغيّرت معها حسابات المنافسة ومراكز الجذب.

التاريخ الاقتصادي يخبرنا أن التحوّلات الكبرى لا تمر دون مقاومة من جهات خارجية، خاصة عندما تتقاطع الطموحات الجديدة مع مصالح قوى اعتادت على موازين اقتصادية وسياسية مستقرة لعقود. ونتيجة لذلك، حين تتغيّر مراكز الثقل الاقتصادي، تتغيّر معها المصالح والتوقعات والتحالفات، وتصبح المواقع التقليدية أمام واقع جديد يفرض إعادة الحسابات. قد يزعج البعض تغيّر موازين الاقتصاد، وقد لا يروق لآخرين أن تظهر مراكز جديدة للثقل والاستثمار والتأثير، لكن التاريخ لا يتوقف عند رغبات من يخشون التغيير، كما أن التقدم الاقتصادي لا يتطلب موافقة الدول الأخرى عليه ولا تحتاج إلى أن يتفق الجميع مع طموحها.

إن ما يجري في المملكة ليس سباقًا لبناء المشروعات الكبرى وحدها، وإنما محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الموارد الطبيعية والقدرة الإنتاجية، وبين الإنفاق الحكومي والاستثمار الخاص، وبين الحاضر الذي صنعته عوائد النفط والمستقبل الذي ينبغي أن تصنعه المعرفة والكفاءة والابتكار، وهذا حق مشروع للمملكة في رسم مستقبلها الاقتصادي، بصرف النظر عمن يروق له هذا التحوّل أو يضيق به.