عندما تُرفع شعارات السلام، بينما تُعطّل أدوات حمايته، وعندما يُعلَن احترام سيادة الدول، ثم تُعامل الاعتداءات عليها بوصفها أوراقاً في مساومات إقليمية ودولية. هنا تكشف هذه الوقائع سوء النوايا والتناقض بين المواقف المعلنة والمصالح المستترة.
فحين تتعرّض المدن والمطارات والمنشآت المدنية السعودية للإرهاب الحوثي، يصبح الموقف من حماية المدنيين اختباراً لصدق الشعارات السياسية. فالإدانة التي لا تتبعها إجراءات لوقف الاعتداء ومحاسبة المسؤولين عنه تترك فجوة خطيرة بين الكلام والفعل، وتمنح المعتدي فرصة لاستغلال التخاذل الدولي ومواصلة الابتزاز بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وهنا تتساقط الأقنعة. وتنكشف السياسات المتناقضة. منذ أن اعترضت بعض الدول التي تتبوأ مقعداً أممياً على مشروع قرار يحمل إحدى الدول المارقة مسؤولية عدم الامتثال لحظر السلاح المرتبط بعصابة الحوثة، تغليباً لحسابات المصالح.
كما هو الوضع مع بعض الدول الإقليمية التي ترتدي عباءة الفزعة والنخوة، وتتلبسها حالة التواطؤ مع جرائم المليشيات في بقاع متفرقة من الكرة الأرضية، ومن بينها عصابة الحوثة.
لذلك من منطلق مبدأ التضامن عربياً ووحدة الموقف خليجياً يتطلب الملف الإجرامي لعصابة الحوثي تعاوناً أمنياً ورقابة فعالة على التمويل والتهريب، والوساطة الجادة ينبغي أن تُقاس بقدرتها على انتزاع التزامات تحمي المدنيين، وأي تناقض يثبت بين الإدانة العلنية وتسهيل الدعم للمعتدي يستوجب الكشف والمحاسبة، أياً كانت الجهة المسؤولة عنه. حيث توجد قرائن تقنية تتجاوز الخطاب السياسي تثبت أن حطام الصواريخ والطائرات المسيّرة، التي يستخدمها المعتدي، في عدوانه على السعودية تحمل بصمات دول تظهر مواقف تناقض الواقع الملموس الأمر الذي يفرض اليقظة والحذر من البيانات الفضفاضة ويستوجب الأمر التحقيق من قبل المجتمع الدولي. لوضع ملف الاعتداءات الحوثية على المدنيين والأعيان المدنية والمطارات أمام مسؤولية جماعية واضحة. وينبغي أن تُبنى هذه التحركات على ملف موثق للهجمات وأضرارها وأدلتها الفنية، وأن تنتهي إلى قرارات قابلة للتنفيذ والمتابعة.
ولا بد أن يقترن ذلك بإدانات صريحة توضح الأسماء والأفعال، وإجراءات حازمة تحدد المسؤولية، وتشدّد على تنفيذ قرارات حظر السلاح، وفرض عقوبات موجهة على من تثبت مشاركتهم في التخطيط والتمويل والتوريد، وتجميد أصولهم. كما يجب تعزيز تبادل المعلومات وحماية المطارات والمنشآت المدنية، وإنشاء آلية تحقيق ومتابعة ترفع تقارير دورية،
فحماية المدنيين لا تحتمل أن تبقى رهينة الحسابات السياسية. والسلام الجاد يحتاج إلى وقف الاعتداء، وتجفيف مصادره، ومحاسبة المسؤولين عنه. وعند هذا الاختبار تحديداً تتضح حقيقة المواقف.. من يترجم التزامه إلى فعل، ومن يجعل شعاراته ستاراً لمصالحه. فالأقنعة تتساقط حين تتكلم الوقائع، وتصبح القرارات أقوى من بيانات المجاملة.