السردية في أبسط مفاهيمها هي بناء فكري وسياق متكامل يربط الأسباب بالنتائج ليصنع رؤية أو تفسيراً محدداً لحدث أو قضية ما، ويمكن تفكيك هذا المفهوم إلى عدة أبعاد رئيسة، ومنها بناء المعنى (جمع الحقائق والمعلومات لإقناع المتلقي)، والتوجيه والتركيز (إبراز تفاصيل معينة من القصة)، والقيم والعواطف (ترسيخ قناعات فكرية أو مواقف سياسية واجتماعية).

وتتعدد السرديات تبعاً لأهدافها؛ فـ«السردية الرسمية» تعكس مشروعية الموقف ودلائله، بينما «سردية الجمهور» تعبّر عن القيم المجتمعية التي تتشكّل عبر منصات التواصل، أما «السردية الإعلامية» فتُصاغ بما ينسجم مع التوجهات الرسمية وسياسات التحرير الخاصة، ولكن الأهم هو التأكيد على عملية التداخل والتفاعل بين هذه الأنواع وصولاً إلى تشكيل الرأي العام المحلي والدولي، وكذلك التكامل بين «الحقائق المجرّدة» للحدث وتفاصيل وقوعه، وبين «السردية» التي تحاول تفسير تلك الحقائق في سياق اتصالي أكثر انتشاراً وتفاعلاً.

وتأسيساً لذلك؛ تمارس السردية دورها في أوقات الأحداث والأزمات لصناعة الأطر المرجعية (الانتقاء والإبراز، اختيار المصطلحات، تنظيم الأدوار)، إلى جانب بناء الشرعية وحشد التأييد (تبرير الموقف، تعزيز التلاحم)، كذلك إدارة الحرب النفسية ومواجهة سردية الخصم (تفنيد الدعاية، تفكيك الرواية، إحباط الروح المعنوية للعدو)، إضافة إلى تعزيز الاستقطاب وكسب الرأي العام الدولي بلغات متعددة عبر الدبلوماسية الرقمية.

وفي حادثة استهداف مطار الملك خالد الدولي بالرياض مؤخراً حاولت جماعة الحوثي الإرهابية أن تقدّم سرديتها القائمة على فكرة الصراع، وفرض معادلة المواجهة، ووظفت تقنيات الذكاء الاصطناعي، وممارسات الشائعات والتضليل لإخفاء جوهر الحقيقة، ولكن الرد على تلك الأكاذيب لم يكن عبر بيانات رسمية تدين الاعتداء الغاشم فقط، وإنما من خلال مقاطع فيديو أظهرت تفاصيل الاعتداء على مدنيين ومعتمرين في صالات السفر في المطار.

وكانت هذه المقاطع كافية لنسف وتعرية سردية الحوثي المضادة، بل ساهمت أيضاً في إعادة تشكيل الرأي العام الدولي تجاه الحدث؛ فأصبح العالم متعاطفاً مع الضحايا والمصابين، والشعوب أيضاً تعلق في منصات التواصل عن استنكار واستهجان عملية استهداف المدنيين في المطار، وانتهاك القانون الدولي والإنساني.

لقد شكّلت مقاطع الفيديو لاستهداف المطار سردية سعودية موحدة (الرسمية، الجمهور، الإعلام)، مبنية على التكامل والتأثير المتبادل، حيث بدأت السردية الرسمية بالشفافية مدعومة بالحقائق والمعلومات عن المتوفين والمصابين وأعدادهم وجنسياتهم، بينما عززت سردية الجمهور السعودي من قيم التلاحم، ورفع الروح المعنوية، والحشد العاطفي التي تفاعل معها المقيمون على نطاق واسع، بينما أعطت وسائل الإعلام تحليلاً معمقاً في تفسير السردية بأبعاد سياسية وقانونية وإنسانية.

إن التكامل الذكي الذي جمع بين دقة الحقائق الرسمية، وعفوية المشاعر الإنسانية والوطنية، لم يسهم فقط في تحصين الجبهة الداخلية السعودية وضمان استقرارها وتماسكها، بل قدّم نموذجاً حياً للعالم؛ بأن قوة السعودية في العصر الرقمي لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية والميدانية، بل بقدرتها أيضاً على امتلاك «سلاح السردية» لكشف الحقيقة وحمايتها من محاولات التضليل والتزييف العميق، وكذلك تحصين الوعي الجمعي لمواجهة تداعيات الأحداث والأزمات.