قبل أن أعمل في مطار الملك خالد الدولي، كان الطريق إليه جزءاً من متعة السفر، كانت صالاته وأجواؤه تحمل ذاك الشعور الجميل الذي يسبق الرحلات، حين تبدأ الأحلام قبل الإقلاع وتصبح قلوب المسافرين مليئة بالشوق والانتظار، ثم شاء الله أن يصبح هذا المطار مكان عملي لأكثر من ثلاثين عاماً وما زال، فتغيّرت علاقتي به تماماً.

لم يعد طريق المطار بداية رحلة إلى مكان بعيد إنما أصبح طريقي المعتاد إلى العمل، ولم تعد مواقفه مكاناً أترك فيه سيارتي قبل السفر، بل صارت مثل موقف منزلي.

أصبحت صالات المطار ومدارجه وبرجه وأضواء الطائرات في ساحاته جزءاً من يومي وذاكرتي وحياتي.

ثلاثون عاماً شهدت فيها صباحاته ومساءاته وازدحامه وهدوءه، وتعلمت أن المطار كائن لا ينام، تتدفق فيه الحياة على مدار الساعة.

لذلك حين أرى مطار الملك خالد يتوقف عن استقبال الطائرات لعدة أيام بسبب الظروف الاستثنائية أشعر بألم لا أستطيع إخفاءه، لأنني أعرف معنى أن تسكن الحركة في مدارج اعتادت هدير الطائرات، وأن تهدأ صالات اعتادت أصوات المسافرين، وأن تخفت التفاصيل التي كانت تشكّل إيقاع الحياة فيه، لكن هذا الألم يصاحبه شعور آخر لا يقل عنه قوة، هو الفخر.

من أمضى عقوداً في صناعة الطيران يدرك أن قوة المطار ليست فقط في أيام التشغيل العادي مهما بلغت كثافة الحركة، فالقوة تتجسّد أيضاً بقدرته على مواجهة الأخطار حين تضطرب الظروف، وبكفاءة من يديرونه عندما تصبح القرارات صعبة وتكون سلامة الإنسان فوق كل الاعتبارات.

الأحداث الأخيرة التي تعرّضت لها المطارات السعودية أعادت إلى الواجهة حقيقة يعرفها العاملون في الطيران، وهي أن قرار تعليق العمليات الجوية ليس عجزاً، بل ممارسة للمسؤولية حين تصبح حماية الأرواح أهم من استمرار الحركة.

هنا تحديداً يظهر الوجه الآخر لقوة المطارات السعودية، فما أظهرته منظومة الطيران المدني السعودي من تنسيق واحترافية في التعامل مع الأحداث الاستثنائية يستحق الفخر والتقدير، ابتداءً من الهيئة العامة للطيران المدني إلى شركات المطارات والملاحة الجوية والناقلات الوطنية، وفرق الإطفاء والإنقاذ والجهات الأمنية والخدمات الأرضية، وكافة الأجهزة والكوادر التي تعمل في الميدان وخلف الكواليس.

منظومة متكاملة لا يمكن اختزال نجاحها في جهة واحدة، فكل قرار يتعلق بسلامة الطيران تقف خلفه سلسلة من التقييمات والإجراءات والتنسيق بين جهات متعددة، وقد لا يرى المسافر من كل هذا الجهد سوى إعلان تأخير رحلة أو تعليق العمليات.

الطائرة التي تتأخر في الرياض تؤخر رحلة أخرى في مدينة بعيدة، والمسافر الذي يفوته ارتباط دولي تتغير خطط أسرته أو عمله، والشحنة التي تنتظر الإقلاع قد تكون دواءً يحتاجه مريض أو بضاعة ينتظرها تاجر أو قطعة غيار يتوقف عليها عمل مصنع، لذلك يمتد أثر توقف المطار إلى الاقتصاد والتجارة والسياحة وحياة الناس، المطارات لم تعد مجرد منافذ للسفر، إنها شرايين تربط المدن والدول والمجتمعات.

إن قدرة المطار على إدارة المخاطر واستعادة عملياته ليست مسألة تشغيلية فقط، بقدر ما هي قيمة اقتصادية ووطنية وإنسانية كبرى، والمملكة التي تستثمر المليارات في مطاراتها وتعمل على تعزيز مكانتها العالمية في النقل والخدمات اللوجستية، تدرك أن البنية التحتية الحديثة لا تكفي وحدها ما لم تسندها كوادر مؤهلة وأنظمة متقدمة وخطط للطوارئ وثقافة راسخة تضع سلامة الإنسان أولًا.

لقد أظهرت الأحداث الأخيرة مستوى عالياً من الجاهزية والتكامل بين الجهات السعودية المعنية بالطيران، يعكس قدراً متقدماً من المهنية في إدارة المخاطر واستمرارية العمليات، وهذا لا يعني أن الأزمات تمر دون خسائر أو آثار اقتصادية، إنما يعني أن المنظومة تمتلك بفضل الله من الخبرة والانضباط ما يمكّنها من التعامل مع أقسى الظروف بمنتهى المسؤولية.

حين أتحدث عن مطار الملك خالد، لا أتحدث عن مكان عمل إنما أتحدث عن جزء من عمري، لهذا أحزن عندما يسكن المطار، لكنني أفخر حين أعرف أن هذا السكون هو لحماية الأرواح، وأن وراءه رجالًا ونساءً يعملون بكفاءة ومسؤولية حتى تعود الحياة إلى مدارجه وصالاته.

ستعود الطائرات إلى رحلاتها المجدولة، وستمتلئ الصالات بالمسافرين، وستضيء المدارج من جديد، لكن ما ينبغي أن يبقى في الذاكرة هو الطريقة التي واجهنا بها الخطر، والكوادر التي أدارت اللحظات الصعبة، والمنظومة الوطنية التي جعلت سلامة الإنسان فوق كل اعتبار.

هذه هي القوة التي أعتز برؤيتها في وطني.. الوطن الذي ظلّ عصيّاً على الانكسار شامخاً فوق السحاب.