تحت دوافع مختلفة تتسم بالتعويل على الدبلوماسية كحل كافٍ دون رافد رادع، ومع الخبث أحياناً على نظرية ثغرة المستعمر والتي طبقت في نماذج كثيرة مثل مسمار كشمير بين باكستان والهند، يأتي التعويل على مقاربات مبنية على مسايرة مليشيا الحوثي كحل للاستقرار وحقن دماء اليمنيين وتحقيق مستقبل يشارك فيه كل اليمنيين.

أولاً الحوثيون مارسوا السياسة قبل أن يملكوا السلطة وذلك منذ العام 1993 حين مثل حسين الحوثي في البرلمان حزب الحق، ولكن التمثيل البرلماني وبالتالي فكرة المشاركة السياسية لم ترق له، فانصرف إلى حركة «الشباب المؤمن» بعد أن غادر البرلمان بأربع سنوات، بالطبع حاول الرئيس صالح اللعب بهم لصنع توازن مع السلفيين حيناً وانتقادهم حيناً آخر بأنهم يريدون إعادة الإمامة، ولصالح ما له وما عليه ولكنه ليس موضوعنا.

والمهم في خروج حسين من البرلمان أنها خطوة بيّنت أن المشاركة السياسية لا تحقق مشروعهم، واستمرت المعارك بين الحوثيين والسلطة في صعدة منذ 2004 وكانت في كل جولة أعنف من سابقتها، حتى سقطت التفاحة في 2010، وأيضاً ولجوا من باب إيهام الأطراف برغبتهم في المشاركة السياسية وذلك بالمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني.

وخلال مشاركتهم في المؤتمر أوحوا بانخراطهم بشكل فعّال، كما حظي ممثلوهم بإشادة من وسطاء دوليين ومراقبين غربيين نظراً لتقديمهم رؤى سياسية وأطروحات مدنية وبنّاءة في مجموعات العمل، حتى أتت المخرجات على غير ما تشتهي أنفسهم عبر إقرار المؤتمر لشكل الدولة الاتحادي (الفيدرالي) المكون من 6 أقاليم، حيث رفض الحوثيون هذا التقسيم كونه عزل صعدة (معقلهم الرئيسي) في إقليم «آزال».

ولأننا لا نتحدث عن حزب الحضر البريطاني هنا، فعندما نتحدث عن رفض الحوثيين لمخرجات المؤتمر، فهذا لا يعني وقفات احتجاجية أو اعتصامات، بل يعني أن يأخذوا بالسلاح والقتل ما لم يأخذوه بالحوار في المؤتمر، ويتبيّن كيف أن الشهادات الغربية أثناء المؤتمر لم تكن تفهمهم أيديولوجيا بالعمق الكافي، والجميع يعرف السيناريو التالي من اجتياح عمران وباقي المحافظات وصولاً لاحتلال صنعاء في سبتمبر 2014.

وفي نفس الشهر أعطوا وهماً جديداً بأنهم حزب سياسي عبر توقيعهم «اتفاق السلم والشراكة»، مع الرئيس والأحزاب ونصّ الاتفاق على أن يفكك الحوثيون معسكراتهم المحيطة بالمنشآت الأمنية في العاصمة بعد تعيين رئيس وزراء، وهو الأمر الذي لم يتجاوز حينها هدنة لالتقاط الأنفاس وإعادة الانتشار تلاها حصار الرئيس هادي في يناير 2015 ثم حل البرلمان في الشهر الذي يليه، ونصبوا «لجنة ثورية» يرأسها «محمد بن علي الحوثي»، وتتالت خطوات تهميش الخصوم والحلفاء وصولاً لاغتيال الرئيس صالح بعدها بعامين.

ثم أتت ثلاث محطات خارجية بغض النظر عن دوافعها إلا أن النمط السلوكي للمليشيا لم يتغيّر فيها، وهي اتفاق ستوكهولم في 2018، ثم حماقة رفع إدارة بايدن الحوثيين من قوائم الإرهاب والذي تزامن مع هجوم حوثي استهدف المدنيين في مطار أبها، وصولاً لهدنة 2022، وليس في المحطات الثلاث ما أشار لاختلاف في نسق التعامل مع الشركاء في الوطن أو دول الجوار.

هذه المقاربة والتي تعتبر مسايرة الحوثي سبيلاً لدمجه وتغييره، تتسم بالتبسيط المخل وتستند إلى أن عواصم كثيرة تعاملت مع الحوثي بوصفه طرفاً سياسياً يمكن ترويضه بالحوافز، رفعٌ من قوائم الإرهاب هنا، وهدنة إنسانية هناك، واتفاق يمنحها موطئ قدم في السلطة على أمل أن تتحوّل من مليشيا إلى حزب يمارس السياسة.

لكن السجل الممتد منذ تسعينيات القرن الماضي يقول غير ذلك، كل نافذة سلمية فُتحت للمليشيا صارت استراحةً لإعادة التسلح، ثم قضماً جديداً للخصوم والحلفاء على حد سواء، في طريق مستقيم نحو الحكم الأوحد، ووقود هذا الطريق أطفالٌ يُساقون إلى الجبهات، وتمويله تجارة تقوم على إرث بشار الأسد الكبتاغوني، وقتل واستهداف للمدنيين في اليمن ودول الجوار، وبحّارة لا ذنب لهم إلا أنهم عبروا البحر الأحمر.