قبل أن تُعرف العلا بآثارها، عُرفت بإنسانها؛ فعلى امتداد آلاف السنين، ترك الإنسان هنا أثره في تفاصيل المكان؛ نقش على الصخور أسماءه وأمنياته وشواهد من حياته، بنى المدن والمدافن، وابتكر سبل الاستفادة من المياه، وزرع الواحة وغرس النخيل، وأسهم في جعل العلا محطة للحياة والتجارة والتواصل بين الحضارات. وبين نقوش جبل عِكمة، وآثار دادان والحِجر، ومزارع الواحة، لا نقرأ تاريخ مكان فحسب، بل قصة إنسان فهم بيئته، واستثمر في مواردها، وبنى فيها حياة استمرت من جيل إلى آخر.

ملامح المدن تغيّرها المشاريع، والاستثمارات تخلق الفرص، والبنى التحتية تمهّد للنمو، لكن استدامة أي تحول تبدأ بمن يملك المعرفة والمهارة والقدرة على قيادته. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى تنمية القدرات البشرية في العلا باعتبارها مسارًا موازيًا لتنمية المكان، بل بوصفها الاستثمار الذي يمنح هذه التنمية معناها واستمراريتها.

وفي ظل رؤية السعودية 2030، لا يقتصر التحول الذي تشهده محافظة العلا على بناء وجهة استثنائية ذات مكانة رائدة على خارطة السياحة والثقافة والتراث عالميًا، بل يمتد إلى بناء قدرات أبناء وبنات المحافظة ليكونوا جزءًا من هذا التحول، والأهم أن يمتلكوا الأدوات التي تمكّنهم من قيادته وصناعة فصوله المقبلة.

ومع اتساع مسارات التنمية في العلا، من السياحة والثقافة والتراث إلى البيئة والزراعة والاقتصاد، تتسع الحاجة إلى كفاءات وطنية قادرة على تحويل هذه الفرص إلى أثر مستدام. ولهذا، تطورت جهود تنمية القدرات البشرية بالتوازي مع تطور العلا، واتسع نطاق الفرص التعليمية والتدريبية لتشمل مراحل مختلفة من حياة الإنسان؛ بدءًا من الطفولة المبكرة والتعليم، مرورًا بالتعليم الجامعي والابتعاث والتدريب والتأهيل المهني، وصولًا إلى التطوير المستمر والتعلم مدى الحياة.

فكلما اتسعت طموحات المكان، وجب أن تتسع معها قدرات الإنسان، لذا كان برنامج العلا للابتعاث، الذي انطلق قبل 8 أعوام، إحدى المحطات التي أسست لهذا التوجه من خلال 4 مراحل، أتاحت لأكثر من 1000 مبتعث ومبتعثة فرصة استكمال دراستهم الأكاديمية في تخصصات نوعية تتوافق مع احتياجات العلا ورؤيتها المستقبلية، إذ لا تكمن قيمة هذه التجربة في عدد المبتعثين فحسب، بل فيما يعودون به من معرفة وخبرات وتجارب، وما يمكن أن يسهموا به في بناء القطاعات التي تنمو اليوم في العلا.

ومع انضمام العلا إلى الشبكة العالمية لمدن التعلم التابعة لمنظمة اليونسكو، وتوسع المبادرات التعليمية والتدريبية التي يتجاوز عددها 12 برنامجًا ومبادرة أُطلقت على مدى الأعوام الماضية، استفاد منها أكثر من 12 ألف مستفيد ومستفيدة في مجالات ودرجات علمية متنوعة، أصبح التوجه أكثر شمولًا نحو بناء منظومة تتيح للإنسان فرصًا مستمرة للتعلم، وتمنحه القدرة على تطوير مهاراته ومعارفه كلما تغيرت احتياجاته أو تطورت متطلبات سوق العمل.

وقد انعكس ذلك في تنوع البرامج والمسارات والمبادرات التي تستهدف مراحل تعليمية ومهنية مختلفة، وفي بناء شراكات مع مؤسسات تعليمية وتدريبية محلية ودولية، بما يفتح أمام أبناء وبنات العلا مسارات أوسع للتعلم والتأهيل واكتساب الخبرات. فالهدف لا يقتصر على توفير فرصة تعليمية آنية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء قاعدة من القدرات البشرية القادرة على النمو ومواكبة نمو العلا نفسها.

ما تحقق حتى اليوم يمكن وصفه بقاعدة ننطلق منها لمرحلة مقبلة. فكل قطاع جديد ينمو في العلا يخلق احتياجًا جديدًا للمعرفة والمهارات، وكل فرصة استثمارية أو سياحية أو ثقافية أو بيئية تفتح بدورها مجالًا لتخصصات ومهن وخبرات جديدة. ولهذا، فإن منظومة تنمية القدرات البشرية تحتاج بطبيعتها إلى أن تبقى متجددة، تستجيب للتحولات وتستبق الاحتياجات، وترتبط بصورة أوثق بين التعليم والتدريب والفرص التي يصنعها مستقبل العلا.