فن السياسة السعودية يقاس بمهارة إدارة المسافة مع الآخرين. متى تقترب لتعزيز الشراكة، ومتى تختلف لحماية المصلحة، ومتى تصمت لأن الصمت أبلغ من البيان أحياناً، ومتى تعود إلى طاولة الحوار حين تنضج اللحظة وتكتمل الحسابات.


وهذه ليست مهارة وليدة اللحظة. فمن يتأمل سيرة الملك عبد العزيز يجد أن بناء الدولة كان تجربة مبكرة في إدارة التوازنات. كان الرجل يتحرك في بيئة شديدة التعقيد. وكان عليه أن يعرف متى يفاوض، ومتى ينتظر، ومتى يقترب، ومتى يضع حدوداً لا يتجاوزها أحد.


وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة السعودية؛ دولة تتشكّل في بيئة محدودة الموارد، ومحاطة بالتحديات، تعلمت أن العلاقات الخارجية ليست غاية بذاتها، فالتحالف وسيلة، والتفاهم وسيلة، والتفاوض وسيلة، أما الغاية فهي بقاء الدولة ومصالحها وقدرتها على اتخاذ قرارها.


ولعل هذه الروح هي ما يفسر جانباً من سياسة المملكة اليوم. ففي زمن مضى، كان سهلاً النظر إلى السياسة الخارجية باعتبارها خريطة واضحة من الأصدقاء والخصوم. أما اليوم، فقد تبدلت القاعدة، واستحال المشهد لوحة بالغة التعقيد. الصديق في ملف قد يكون منافساً في آخر، والحليف الأمني قد يصبح منافساً اقتصادياً، ومن تختلف معه في قضية اليوم قد تجده شريكا في أزمة الغد.


هكذا يعمل العالم، وهكذا تتعامل الرياض معه. لم تعد تنتظر من الآخرين أن يحددوا لها موقعها. تحدد موقفها أولاً، ثم تفاوض بناء عليه، وتختلف لمصالحها، وتعود للحوار حين يكون طريقاً أكثر فائدة. وهذه نقطة جوهرية في فهم السياسة السعودية؛ الندية لا تعني الخصومة، والشراكة لا تعني التنازل عن القرار.


في تجربة الملك المؤسس عبد العزيز، كان يمكن للظرف أن يفرض على الدولة الناشئة أكثر من حساب في الوقت نفسه. كان يعرف أن الجغرافيا لا تكفي، وأن القوة لا تغني عن التفاوض، وأن الدولة لتستمر عليها أن تعرف كيف تتعامل مع من حولها، من دون أن تفقد بوصلتها. فتحسّن إدارة الاختلاف، وتقول: هذا موقفنا، ويقول الآخر: وهذا موقفنا، ثم يسأل الطرفان: ماذا نفعل غداً؟ هنا، تبدأ السياسة، وهكذا تدار الدول.


والمملكة اليوم أمام شبكة واسعة من المصالح؛ أمن وطاقة واستثمار وتجارة وممرات بحرية، وعلاقات مع واشنطن وبكين وموسكو، وروابط متشابكة مع عواصم خليجية وعربية، وهذه المصالح لا يمكن أن تدار بعقلية المحور الواحد.


وبالتالي لا تبحث المملكة عن أصدقاء يصفقون لها، بقدر ما تبحث عن شركاء يعرفون أنها صاحبة قرار، ويدركون في الوقت نفسه أنهم أصحاب قرار أيضاً. من هذه النقطة يبدأ الاحترام، وتنتهي المجاملة، ويدفن الشعار البليد «إما معي أو ضدي». فليس كل اختلاف خصومة، وليس كل اتفاق تحالف دائم. إذ إن العلاقات الدولية مساحات متغيّرة من المصالح، تتسع وتضيق. فالرياض قد تتفق مع واشنطن في الأمن، وتختلف معها في إعلان حرب. وقد تتعاون مع دولة خليجية في ملف، ثم تصطدم الحسابات في ملف آخر. وقد تتقاطع مع دول عربية في لحظة، ثم تجد نفسها على طرفي طاولة أخرى، وهذا طبيعي، وعين العقل السياسي.


ومن هنا، يمكن فهم التحوّل الأوسع، فالمملكة تتعامل مع محيطها باعتبارها مركزاً إقليمياً تتقاطع عنده مصالح متعددة؛ في واشنطن وبكين وموسكو، وفي العواصم العربية، وفي أسواق الطاقة، وممرات التجارة، وترتيبات الأمن الإقليمي. وحين تتسع الدائرة، يصبح الاختلاف مع الآخرين أمراً لا مفر منه.


ستختلف الرياض، وسيختلف الآخرون معها. قد تغضب دول، وقد تعترض أخرى، وقد تتباعد المواقف في ملف، ثم تتقارب في آخر. المهم أن تعرف الدولة لماذا تختلف، ومتى، وكيف تعود إلى الحوار بعد الاختلاف. وهذا، في جوهره، تطور طبيعي مع مدرسة مؤسس المملكة. فالأدوات تغيرت، والدولة اتسعت، والمصالح تضاعفت.


إن الدبلوماسية ليست طريقاً مستقيماً. إنها فن معرفة متى تقترب، ومتى تتراجع خطوة، ومتى تقول اختلف، ومتى تقول اتفق، ومتى تترك للوقت أن يقول ما لا ينبغي أن يقال الآن. وفي النهاية، ربما تختصر السياسة في سؤال بسيط: هل تعرف الدولة أين تقف؟ وحين تعرف، يصبح اختلافها مفهوماً، وتقاربها محسوباً، وصمتها جزءاً من سياستها، وعودتها إلى الطاولة استمراراً للمسار، وليس تراجعاً.


وهنا تلتقي الرياض مع إرث الملك المؤسس؛ دولة تبحث عن مساحة تستطيع فيها أن تختلف من دون أن تخسر، وتتفق من دون أن تتنازل، وتبني علاقاتها من موقع القرار، فتعرف أين تقف، وإلى أي أفق تمضي.