في مسرح الحياة الإنسانية، لا توجد شخصية أكثر إرباكاً من ذلك الذي يفسد في الخفاء، ثم يتصدر المشهد داعياً إلى الفضيلة في العلن، هؤلاء – وإن كانوا قلة - إلا أن أثر فسادهم مدمر، فهي ليست مجرد سلوك عابر بل بنية نفسية مشوهة تدمج بين النفاق الاجتماعي و«الميكيافيلية».
والمناسبات الاجتماعية والواجبات العائلية فرصة يحتمي بها ذلك المفسد، ليمارس النميمة ويزرع الفتن ويفكك الروابط، ويسمى هذا السلوك في علم النفس «إدارة الانطباع المتطرفة»، وحضوره تلك المناسبات ليس واجباً اجتماعياً أو رغبة حقيقية في التواصل، بل هو قناع للحصول على الحصانة الاجتماعية، وأعظم وصف لمثل هؤلاء قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ).
الشاعر والكاتب المسرحي والممثل الفرنسي «جان باتيست بوكلين» (المعروف بـ«موليير»)، الذي يعد أحد أهم أساتذة الهزليات في تاريخ الفن المسرحي الأوروبي، ومؤسس الكوميديا الراقية، صاغ في المسرحية الفرنسية الشهيرة «تارتوف»، شخصية ذلك الرجل الذي يدعي التقوى والحرص على مصلحة العائلة وصيانتها، بينما هو في الحقيقة يستغل طيبتهم لتدمير الأسرة وسلب ممتلكاتها، لذا صار اسم «تارتوف» في الثقافة العالمية رمزاً للمنافق، الذي يتخذ من الدين والقرابة وسيلة للإفساد.
إن مواجهة مثل هذه الشخصية الفاسدة لا تكون بالصِدام الذي يمنحها دور الضحية، بل بالوعي ووضع حدود صارمة، والتعامل مع حضورها الاجتماعي ببرود بروتوكولي، دون السماح لها بالتغلغل في العمق.
الوعي والقرب الدائم من أجيالنا وإبعادهم تماماً عن مثل هذه البيئات المسمومة، وعدم المجاملة لمثل ذلك المتلون، فالإنسان السوي الحقيقي تعرفه ثمار أفعاله ونقاء سريرته، أما من يزاحم الأجساد في المناسبات وقلبه يضمر الخراب، فلن يتركه التاريخ سوى هامشٍ في كتاب المنافقين.