يتبادر إلى أذهان البعض، أن «طبيب التخدير» هو ذلك الذي يعطي المريض دواء لينام قبل العملية ثم يوقظه بعد انتهائها، صورة تختصر تخصصاً كاملاً في لحظتين، بينما ما يحدث بينهما يحمل مسؤولية أكبر بكثير، فطبيب التخدير لا يتعامل مع «التخدير» وحده، بل يتولى رعاية المريض في واحدة من أكثر مراحل علاجه حساسية.
تبدأ مهمته قبل الجراحة بتقييم الحالة الصحية للمريض، ومراجعة أمراضه وأدويته، وتقدير عوامل الخطورة، واختيار خطة التخدير المناسبة والاستعداد لما قد يطرأ، فليست كل عملية متشابهة، ولا كل استجابة للأدوية متوقعة، وما يناسب مريضاً قد لا يناسب آخر.
وأثناء الجراحة، تبدأ مرحلة لا يراها المريض غالباً، ففي الوقت الذي ينشغل فيه الجرَّاح بإجراء العملية يتابع طبيب التخدير التنفس ومجرى الهواء والدورة الدموية والسوائل والأدوية والسيطرة على الألم، ويتعامل مع تغيرات قد تحدث خلال دقائق أو حتى ثوان.
وهنا يظهر جانب آخر لهذا التخصص، فهو لا يعتمد على المعرفة الطبية والمهارات الإجرائية فحسب، بل يتطلب التخطيط وترتيب الأولويات وسرعة الاستجابة للمتغيرات والتواصل المستمر مع الفريق الجراحي.
ولا تنتهي مسؤولية طبيب التخدير بانتهاء العملية، بل تمتد إلى مرحلة الإفاقة والسيطرة على الألم والتأكد من استقرار المريض، كما يمتد حضور هذا التخصص إلى مجالات أخرى، تشمل الإنعاش والرعاية الحرجة وعلاج الألم.
ربما لا يتذكر المريض طبيب التخدير بعد أن يستيقظ، لكنه كان حاضراً في كل لحظة لم يكن المريض قادراً فيها على مراقبة نفسه، فالتخدير علم الحفاظ على سلامة المريض حين يضع حياته مؤقتاً بين أيدي فريق لا يراه.