أعلنت القوات الحكومية اليمنية، في ساعات مضت، السيطرة على منطقة باب المندب ومطار ذوباب غربي محافظة تعز، ضمن عملية «فجر اليمن» التي أطلقها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بإسناد من التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. وقال المتحدث باسم القوات اليمنية العقيد ماجد النزيلي إن ألوية العمالقة ودرع الوطن نفذتا عملية التفاف قطعت الطريق بين ذوباب والمخا، وهو تطور يتجاوز بعده العسكري إلى دلالات سياسية واقتصادية تمس العالم كله. فباب المندب ليس شريطاً مائياً عادياً، بل هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وحلقة الوصل بين المحيط الهندي وقناة السويس، ومن خلاله تعبر شحنات الطاقة والبضائع المتجهة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. وحين يتعرّض هذا الممر للتهديد، لا يدفع الثمن اليمنيون وحدهم، بل المستهلك في أوروبا والمصنّع في آسيا والاقتصادات الناشئة في إفريقيا، كما أثبتت السنوات الماضية التي شهدت اضطراب الملاحة وارتفاع كلفة التأمين وتحويل السفن إلى مسارات أطول وأغلى حول رأس الرجاء الصالح. ومن هنا فإن عودة هذا الموقع الحيوي إلى سلطة الدولة الشرعية تمثل خطوة نحو إعادة الاعتبار لمبدأ راسخ في القانون الدولي، وهو أن الممرات البحرية الدولية ملك للعالم ولا تخضع لابتزاز أي جماعة مسلحة ولا لمنطق السلاح خارج إطار الدولة. وقد ظلت المملكة، بحكم موقعها المطل على البحر الأحمر ومسؤوليتها تجاه أمن الطاقة العالمي، في طليعة الدول التي تؤكد أن حرية الملاحة التزام دولي لا يقبل المساومة ولا فرض الرسوم ولا التهديد، وأن تأمين الممرات المائية مسؤولية مشتركة تتقاسمها الدول المستفيدة منها. وتستند الحكومة اليمنية في معركتها إلى شرعية معترف بها دولياً، وإلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة وفي مقدّمتها القرار 2216، بينما تحمل المليشيات الحوثية سجلاً طويلاً من التصرفات التي هدّدت أمن اليمن والمنطقة، ولم تسعَ يوماً إلى ازدهار المناطق التي تحكمها، بل جعلت من مواطنيها وقوداً لحسابات لا تخدم مصلحتهم. أما المملكة العربية السعودية، فقد أثبتت أنها تتعامل مع الأحداث بواقعية سياسية تقرأ كل مرحلة بمعطياتها، فهي تتبنى نهج القوة والحزم حين تفرض الحرب نفسها، وتتمسك بالحكمة وتغليب العقل والحوار حين يتسع المجال للسلام. وسجلها في ذلك واضح، فقد دعمت على امتداد السنوات مبادرات التهدئة والمسارات السياسية والهدن الإنسانية، وما زالت تؤكد أن الحل الدائم في اليمن لن يكون إلا سياسياً، غير أن الحوار الجاد يحتاج إلى طرف يدرك أن زمن فرض الأمر الواقع بالقوة قد انتهى. ولذلك فإن ما تحقق في باب المندب يعزز موقف الحكومة الشرعية على طاولة التفاوض، ويضيّق على من راهن على استنزاف الصبر الإقليمي والدولي، ويبعث برسالة طمأنة إلى شركات الشحن والعواصم الكبرى بأن أمن الملاحة قضية يمكن حمايتها حين تتوحد الإرادة. وهذا ما يجعل الدعم الدولي لهذه الجهود مصلحة مباشرة لكل دولة تعتمد على سلاسل إمداد آمنة. ولا يعني ذلك أن الطريق إلى السلام قد اكتمل، فالتحديات ما تزال كبيرة، لكن الرهان على دعم الأشقاء والمجتمع الدولي لتثبيت هذه المكاسب وتحويلها إلى استقرار مستدام يبقى رهاناً واقعياً ومشروعاً. ويقع على عاتق الحكومة الشرعية، في المقابل، مسؤولية توحيد صفوف القوى المنضوية تحت لوائها وإدارة المناطق المستعادة بكفاءة وعدالة، حتى يلمس السكان ثمرة الاستعادة في حياتهم اليومية. وتبقى الأولوية الآن حماية المدنيين وتأمين المساعدات الإنسانية وتهيئة الظروف لعودة مؤسسات الدولة إلى خدمة المواطنين، فالنصر الحقيقي ليس في السيطرة على موقع جغرافي مهما بلغت أهميته، بل في أن يشعر اليمني بأن دولته عادت إليه، وأن يشعر العالم بأن بحره الأحمر عاد آمناً، وأن المنطقة بأسرها تتجه نحو الأمن والاستقرار بدل التصعيد.