الأحداث المتسارعة في الأزمة اليمنية خلال اليومين الماضيين ليست سوى بداية لفجر اليمن الجديد باستعادة الدولة لأراضيها ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب الحوثي، وتحوّل إستراتيجي نحو حرب شاملة على الجبهات كافة، مدعومة بقوات التحالف لدعم الشرعية، والانتقال من حالة الدفاع إلى الهجوم، وتكثيف الضربات على مواقع وأهداف عسكرية ذات قيمة وأثر لحسم المعركة على عدة مراحل وصولاً إلى العاصمة صنعاء.
أولى هذه المراحل انتزاع الموانئ وتأمين الملاحة البحرية في باب المندب، وكسب معركة الحديدة ومينائها الإستراتيجي، والمرحلة الثانية تعديل موازين القوى برياً من خلال فتح محاور متزامنة في (مأرب، الجوف، تعز، حجة، الساحل الغربي)، بهدف تشتيت القدرات الدفاعية للحوثيين وفرض واقع جغرافي جديد، والمرحلة الثالثة تحرير العاصمة وإنهاء الانقلاب الحوثي.
هذه المراحل التي يمكن استنتاجها من تحرك القوات اليمنية على الأرض ليست محددة زمنياً، وتخضع لعمليات وخطط عسكرية متغيّرة، وجغرافيا معقدة، ومعلومات استخباراتية محدثة بثوانٍ ودقائق معدودة، وهو ما يجعل هذا النوع من معارك الكر والفر بحاجة إلى قراءة مبادرة الفعل وتوقع ردة الفعل في الوقت نفسه، وذلك على أساس أن القتال ليس مع مليشيا حوثية إرهابية، ولكن أيضاً مع قوى أخرى لها مصالح في بقاء الحوثي في السلطة لتنفيذ أجنداتها إقليمياً ودولياً.
المتغيّر الأبرز المتزامن مع هذه الأحداث هو ما نتج عن الاجتماع الطارئ للجنة الإستراتيجية السياسية والدفاعية للدول الأطراف في «حلف مكة»، والانتقال إلى مرحلة التفعيل المؤسسي والعملي للردع والدفاع المشترك، بدءاً من المواقف الموحدة بين تلك الدول، والتأكيد على أن أي اعتداء مسلح على أي دولة في الحلف هو اعتداء يمس الأمن الجماعي للدول الأطراف، والتعامل معه وفق آلية ردع مشتركة.
هذا التزامن في تفعيل اتفاقية مكة مع الأحداث الجارية في اليمن وتداعياتها على المملكة؛ يجبر الحوثي ومن يقف خلفه بأن أي محاولات اعتداء على المملكة ستواجه بآلية ردع إقليمية أوسع، وأكثر تأثيراً، وهذه الرسالة في تفاصيلها تعني أن الحسابات العسكرية في هذه المرحلة مختلفة تماماً، ولا مجال للمساومة فيها أو المساس بخطوطها الحمراء.
اللافت خلال اليومين الماضيين رؤية السعودية العميقة في التعامل مع تداعيات الحرب الشاملة في اليمن، وإدارة الأزمة بمهنية عالية لتوضيح الصورة الحقيقية للمجتمع الدولي والأشقاء اليمنيين لما يجري على الأرض، وقطع الطريق على الشائعات والأخبار الملونة والكاذبة، حيث ظهرت وزارة الخارجية ببيان أكدت فيه أن «الحوثيين اختاروا مسار التصعيد العسكري المستمر ورفضوا كل مبادرات السلام»، وبعدها مباشرة أعلن سمو وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان عن «تفعيل الردع الجماعي ضد أي اعتداءات تستهدف أراضي المملكة العربية السعودية أو المشاعر المقدسة»، ثم جاء بيان وزارة الداخلية عقب ذلك للإعلان عن «إجراءات تصحيح أوضاع جميع اليمنيين المقيمين في المملكة بطرق غير نظامية».
وهذه الأبعاد السياسية والعسكرية والإنسانية في إدارة تداعيات الأزمة اليمنية على المملكة؛ تكشف عن مستوى حضور واعٍ لدولة بحجم المملكة ومكانتها، ورؤيتها وقدرتها على قراءة المشهد، وتفكيك تفاصيله وصولاً إلى المواطنين اليمنيين الذي يعيشون بيننا في السعودية وتمكينهم من العمل النظامي، بما ينعكس على ملايين الأسر داخل اليمن.
«فجر اليمن» هو عنوان لحرب عسكرية، ولكن مضامينه عميقة تجاه تحقيق السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، وتوحيد اليمنيين نحو هدف يعيدهم إلى المستقبل، وبناء دولتهم ومؤسساتهم بعيداً عن مشاريع وأجندات خارجية.