- أمس، احتفل العالم باليوم العالمي للمعلم، وهي مناسبة استثنائية تستحق الاستحضار والتأمل. جميلٌ جداً أن نُفرد في التقويم يوماً لنقف فيه إجلالاً وتكريماً لهذا الإنسان الذي يحمل شعلة المعرفة ويسهم في بناء الإنسان والعقل، ونستحضر من خلاله عظم الأدوار التي يؤديها المعلم في مسيرة المجتمعات.


- مع اليوم العالمي للمعلم، أستحضر ذكريات (33) عاماً قضيتها في سلك التعليم، قبل أن أودع أشرف وأنبل مهنة منذ أربعة أعوام.


- شاهدت وعرفت عن قرب ما تضعه الدولة من إمكانيات لتعليم وتطوير التعليم ومواكبة متغيرات العصر، والدورات التدريبية التي تقدمها للمعلمين، وعاصرت جيل والدي رحمة الله عليه الذي كان معلماً ومديراً لعدة مدارس في المدينة المنورة، وحرصه على أداء واجبة بكل تفانٍ وإخلاص، وأكرمت الدولة المعلم خير إكرام وفتحت له المجال في تحسين دخله المادي، وفتحت له الأبواب في العمل في الفترة المسائية في المدارس الليلية ومحو الأمية في الإجازة والأندية الصيفية والموسمية، وأكرمت المعلمين المتميزين من خلال عدة جوائز وأصبح المعلم الآن له جائزة باسمه في عدة مناطق في المملكة، كنت شاهداً على جيل روى وترك بصمة كبيرة في التعليم في المملكة من خلال عدة وزراء ومديري تعليم التقيت بهم خلال عملي الصحفي، اطّلعت عن قرب على حرصهم على أن يكون المعلم في أفضل حالاته.


- نعم المعلم تم تكريمه ويبقى الدور عليه في أداء رسالته بكل إخلاص وتفانٍ.


- لكن الوقوف عند هذه المناسبة يسحبنا تلقائياً إلى عقد مقارنة شجية بين الماضي والحاضر؛ فمعلم الأمس ليس كمعلم اليوم، والظروف والمعطيات اختلفت كلياً، تماماً كما تبدلت الفلسفة التعليمية والمناهج الدراسية بين زمنين.


- في الأمس القريب، كانت المسألة التعليمية تدور حول أصول متينة وأساسيات صلبة؛ كان التركيز ينصبّ أولاً وأخيراً على إتقان القراءة والكتابة، والإملاء والتعبير، وجودة الخط. كانت هذه المهارات هي الميزان الذي يُقيم بناءً عليه الطالب، والركن الأساسي الذي يُقاس به نجاح العملية التعليمية. كان القلم والورقة هما أداة المعرفة الوحيدة، وكان المعلم هو المصدر الأول والأنقى للمعلومة، يغرسها بحرص ويتابع نماءها خطوة بخطوة.


- اليوم، ودون أن ندري، أخذنا قطار التقنية إلى واقع تعليمي مختلف تماماً. اختلفت المناهج وتغيرت أدوات التقييم بعد أن صعدت الأجهزة الذكية والتقنيات الرقمية إلى المشهد، لتعيد تشكيل الفصول الدراسية وعلاقة الطالب بالمعرفة. لم يعد الطالب ينتظر المعلومة من المعلم بل بات يصل إليها بلمسة زر، واختلفت المهارات المطلوبة من التركيز التقليدي على الحفظ والإملاء والخط إلى التركيز على التفكير النقدي، والتعامل مع التدفق.


- هذا التحول الجذري فرض على المعلم أدواراً جديدة وأكثر تحدياً؛ فلم يعد مجرد «ملقن» للمادة، بل أصبح موجهاً، ومربياً، ومصفياً لهذا الكم الهائل من المعلومات التي تتدفق إلى أذهان الطلاب عبر الشاشات.


- إن اليوم العالمي للمعلم ليس مجرد احتفالية عابرة، بل هو فرصة حقيقية لتقدير هذه المهنة العظيمة التي تطورت مع الزمان وظلت ثابتة في جوهرها: بناء الإنسان. ورغم كل ما تبدل من الوسائل والأدوات بين الأمس واليوم، يبقى المعلم المخلص هو الروح التي تنفخ الحياة في أي منهج، والركيزة التي لا يمكن لأي جهاز ذكي أن يحل محلها.


- في اليوم العالمي للمعلم شكراً من القلب لكل من علّمنا حرفاً وفهّمنا درساً، ولكل من أخلص في تعليمنا، واجتهد في تربيتنا.


- شكراً للمعلمين الذين ما زلنا نحتفظ لهم بجميل الذكريات، وخالص المحبة، رحم الله المتوفين منهم، وأطال الله في عمر الباقين بصحة وطاعة.