حين شاهدت، قبل نحو ثلاثة أسابيع، حلقة برنامج «في الصورة» التي قدمها الإعلامي السعودي البارع عبدالله المديفر، واستضاف فيها المحلل السياسي والخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور محجوب الزويري، تحت عنوان «إيران في الصورة»، وجدت نفسي أبحث عن اسم إيراني غاب عن الصورة، مع أنه من أكثر الأسماء إثارة للاهتمام حين يتعلق الأمر بكيفية قراءة الإيرانيين أنفسهم لتاريخ إيران.

إنه الكاتب الإيراني المثير للجدل ناصر بوربيرار (1940–2015)..

والسؤال هنا ليس لماذا لم يذكره المديفر أو الزويري، فلكل حلقة مساحتها وحدودها، وإنما لماذا لا يحظى هذا الرجل في العالم العربي بالاهتمام الذي يستحقه، رغم أن مشروعه الفكري يفتح نافذة مختلفة تماماً على إيران؟

بوربيرار كان إيرانياً علمانياً، وارتبط في شبابه بحزب «توده» اليساري الإيراني، لكنه أصبح لاحقاً صاحب أطروحات تاريخية صادمة للسردية القومية الإيرانية التقليدية. واشتهر خصوصاً بكتابه «اثنا عشر قرناً من الصمت»، الذي أعاد فيه قراءة التاريخ الإيراني السابق على الإسلام والمرحلة التي تلت الفتح العربي.

ولست هنا بصدد تقديم أطروحاته باعتبارها حقائق تاريخية محسومة؛ فهي أطروحات خلافية تعرضت لنقد شديد من باحثين ومؤرخين، وهذا أمر طبيعي في أي قراءة تعيد فتح ملفات تاريخية كبرى. لكن أهمية بوربيرار تكمن في جرأته على فتح السؤال من داخل إيران نفسها.

فهو لم يكن عربياً يكتب عن إيران، ولا إسلامياً سنياً، ولا باحثاً خليجياً في مواجهة الجمهورية الإسلامية.. بل كان إيرانياً غير متمذهب بمذهب النظام.

ومع ذلك، فإن مواقفه من الرواية القومية الفارسية جعلته، وفق ما تكرر في الكتابات التي تناولت تجربته، عرضة لوصف ساخر ومقصود داخل إيران تكشف إلى أي مدى يمكن أن يتحول الاختلاف مع السردية القومية إلى تهمة بالانتماء إلى «الآخر».

والأكثر إثارة في أفكاره أنه لم يتعامل مع الفتح العربي الإسلامي، باعتباره مجرد واقعة عسكرية أنهت الإمبراطورية الساسانية، بل رأى فيه نقطة تحول كبرى في تاريخ إيران، وربط الازدهار الحضاري اللاحق بالتفاعل العميق بين الإيرانيين والحضارة الإسلامية العربية.

بل ذهب إلى الدعوة إلى تعلم الإيرانيين للغة العربية، انطلاقاً من رؤيته للعلاقة التاريخية والثقافية بين العرب والإيرانيين.

وهنا تحديداً تصبح تجربة بوربيرار مهمة للقارئ العربي.

فنحن كثيراً ما نقرأ إيران من خلال خطاب الجمهورية الإسلامية، أو من خلال صراعها الإقليمي مع العرب، أو من خلال المشروع السياسي والمذهبي لطهران.

لكن هناك «إيران» أخرى تستحق أن تُقرأ: إيران التي يختلف بعض أبنائها أنفسهم مع الطريقة التي رُويت بها قصة إيران.

وهذه النقطة، في رأيي، أهم من الاتفاق مع بوربيرار أو الاختلاف معه.

فحتى إذا رفضنا بعض استنتاجاته، فإن ذلك لا يلغي قيمة الأسئلة التي طرحها.

بل ربما يكون السؤال العربي الأهم: لماذا لم تُترجم أعماله إلى العربية بصورة كاملة ومنهجية، بحيث يقرأها القارئ العربي ثم يقرأ نقدها أيضاً؟

لماذا لا نضع أطروحاته أمام المؤرخين والمتخصصين، ونترك للمناقشة العلمية أن تحكم عليها؟

لقد أنتج العالم العربي مئات الكتب عن إيران المعاصرة، لكن صوتاً إيرانياً يراجع من الداخل العلاقة بين إيران والعرب، ويعيد قراءة تاريخ فارس بعد الفتح الإسلامي، لا يزال بعيداً عن التداول العربي الفكري والأكاديمي الواسع.

وهنا أعود إلى حلقة «إيران في الصورة».

ربما كانت الصورة ستصبح أكثر اتساعاً لو ظهر فيها سؤال من نوع آخر:

ماذا قال الإيرانيون أنفسهم الذين اختلفوا مع الرواية القومية الإيرانية عن تاريخ بلادهم؟

وبوربيرار واحد من أبرز الأسماء التي تقودنا إلى هذا السؤال.

ولذلك، فإنني لا أطالب بتحويل بوربيرار إلى مرجع نهائي للتاريخ الإيراني؛ وإنما أطالب بشيء أبسط: أن نقرأه.. وأن نترجم أعماله، ونناقشها، ونرد عليها، ونضعها أمام البحث العلمي.

فالمعرفة لا تخشى الكتاب المختلف، بل تخشاه حين لا نقرأه.

ولعل المفارقة الأجمل أن رجلاً إيرانياً علمانياً ذا خلفية يسارية، اقتربت قراءته للتاريخ- في نظر خصومه - من العرب أكثر مما ينبغي.

وبالحديث عن القفلة/الخاتمة ــ catch phrase ــ الشهيرة للأستاذ عبدالله المديفر: «وانقلوا عن...».. سأعيش عبر مساحتي هذه جو خاتمة «في الصورة» للأستاذ عبدالله المديفر، وأقول:

وانقلوا عن المديفر: «(كلر) ـ ياقة ـ الثوب بالتصميم الصيني أريح للرقبة».. وأنا أوافقه تماماً، باعتبارها ياقتي المفضلة كما ذوق المديفر، والشاهد الثوب الذي ارتديه في صورة المقال !