أسهل طريقة لتمرير رأي ضعيف، أن تجعله يرتدي اسم مشروع كبير، تقول ما تريد، ثم تترك للاسم مهمة إسكات المعترضين، فإذا سُئلت عن حجتك، أجبت عن إخلاصك للمشروع، وإذا نوقشت في استنتاجك، نقلت النقاش إلى موقف الآخرين من المستقبل، هكذا يختفي صاحب الرأي خلف الرؤية، ويصبح مطلوباً من الناس أن يناقشوا قناعته الشخصية كما لو كانت قراراً وطنياً واجب التسليم.

هنا تحديداً يأتي السؤال: مَن فوّضك؟ بأي صفة تنتقل من تأييد رؤية السعودية إلى احتكار تفسيرها، ومن المشاركة في مشروعها إلى توزيع شهادات الانتماء إليه؟ فبين أن تقول «أرى»، وأن تقول «هذا ما تريده الدولة»، مسافة لا تعبرها كثرة الحماسة، ولا ارتفاع الصوت، ولا قدرتك على إحراج مَن يخالفك أمام جمهور لا يملك وقتاً لتفكيك هذا الخلط.

الرؤية لها أهداف معلنة يمكن الرجوع إليها، ومن بينها «تعزيز القيم الإسلامية والهوية الوطنية»، إلى جانب قيم الوسطية والتسامح، وهذا شاهد ينبغي أن يبقى على الطاولة كلما حاول أحد تصوير التنمية باعتبارها خصومة مع هوية المجتمع، فمَن ينسب إلى المشروع ما يناقض أحد أهدافه، عليه أن يفسّر التناقض قبل أن يطالب الناس بتصديق نسبته.

المشكلة تبدأ حين تصبح عبارة «مع الرؤية» مظلة يوضع تحتها كل شيء، رأي في الأسرة، وحكم على المجتمع، وموقف من التاريخ، وذائقة في الفنون، ثم تُقدَّم هذه الحزمة كاملة باعتبارها الطريق الوحيد إلى المستقبل، مع أن الانتقال من هدف تنموي إلى حكم ثقافي يحتاج حجة تخصّه، ولا يكفي أن تكون المقدمة وطنية حتى تصبح كل نتيجة تُعلَّق عليها صحيحة.

خذ مثالاً بسيطاً، إتاحة نشاط تعني أن باب المشاركة فيه أصبح مفتوحاً، لكنها لا تجعل المشاركة اختباراً لوعي المواطن، ولا تمنح أحداً حق السخرية ممن يختار غيره، فإذا تحولت الخيارات إلى امتحان اجتماعي، وصار الإنسان مطالباً بتغيير ذائقته ليثبت انفتاحه، فقد أُعيد بناء الوصاية داخل اللغة التي تزعم تحريره منها، وصارت الحرية اسماً جديداً للطاعة المطلوبة.

وفي هذه المسافة تتسلل الأيديولوجيا، حين يُستبدل السؤال عن منفعة الفكرة بالسؤال عن أهلية المعترض، وحين يُقسَّم الناس إلى فئة تفهم العصر وأخرى ينبغي تجاوزها، وحين يُعامل المجتمع بوصفه خطأ ينتظر التصحيح الشامل، هذه طريقة تفكير قديمة مهما استعارت من مفردات الحداثة، فمَن يحتكر الحقيقة اليوم لا يصبح أكثر انفتاحاً لأن قاموسه مختلف عن قاموس مَن احتكرها بالأمس.

لنعد إلى الشاهد، «تعزيز القيم الإسلامية والهوية الوطنية»، وجود هذا الهدف في صلب الرؤية يُسقط الحيلة التي تجعل الاعتزاز بالجذور قرينة على العجز عن مواكبة التحول، فكيف يصبح ما تريد الرؤية تعزيزه شيئاً ينبغي للمواطن أن يعتذر عنه؟ وكيف يحتكر تمثيل المستقبل مَن يضع الناس أمام خيار مصطنع بين النجاح في عصرهم والوفاء لانتمائهم؟

وهذا لا يمنح أي عادة حصانة من النقد، فالمجتمع الحي يراجع أخطاءه، ويصلح ممارساته، ويوسّع فرص أبنائه وبناته، لكن النقد الجاد يسمّي الخلل ويثبت ضرره ويقترح إصلاحه، أما إصدار حكم ازدراء على مجتمع كامل، ثم تقديم هذا الازدراء باعتباره وعياً متقدماً، فلا يضيف إلى التنمية معرفة، بقدر ما يضيف إلى العلاقة بين الناس خصومة مجانية.

كذلك، لا تُدان الفكرة لأنها جاءت من خارج حدودنا، فالمعرفة الإنسانية أوسع من الجغرافيا، والاستفادة منها دليل قدرة على التعلم، إنما تُسأل الفكرة عما تصلحه هنا، وعن الثمن الذي تطلبه، وعن صلاحية افتراضاتها لواقعنا، أما استيراد خصومات جاهزة، ثم البحث لها عن أطراف محلية، فهو إلزام للمجتمع بأن يعيش أزمة لم ينتجها، كي تجد الأيديولوجيا المستوردة عملاً تؤديه.

ونجاح مشروع وطني لا يثبت صحة كل أيديولوجيا يرفع أصحابها شعاره، فمَن يريد أن ينسب الإنجاز إلى أفكاره مطالب بإثبات إسهامها فيه، كما أن مَن يعرض علينا خصومة ثقافية بوصفها شرطاً للتنمية مطالب بإثبات هذه الضرورة، إذ لا يجوز أن يتحول جهد المؤسسات والمواطنين إلى رصيد مجاني يستخدمه فريق لمنح قناعاته حصانة لم تستحقها بالحجة.

وعلى مَن يربط أجندته بالرؤية، أن يجيب عن أسئلة محددة، أين النص الذي يسند هذه النسبة؟ وما الصلة المنطقية بين الهدف المعلن والنتيجة التي تفرضها؟ وبأي معيار سنعرف أن مقترحك خدم المواطن؟ هذه الأسئلة تعيد النقاش إلى موضعه الطبيعي، حيث يقدّم صاحب الفكرة دليله، ويتحمل مسؤولية قوله، ويقبل أن يكون اجتهاده قابلاً للخطأ والمراجعة.

أما الرد على الأسئلة باتهام السائل بأنه ضد التغيير، فهو تهرّب يكشف ضعف الحجة، لأن الرؤية لا تحتاج أن نجعل كل رأي يُلصق بها فوق النقاش، ولأن حماية مشروع وطني من التحريف تبدأ بإبقاء الفارق واضحاً بين أهدافه وتأويلات الناس له، وبين ما قررته مؤسساته وما يتمناه متحدث باسمه من تلقاء نفسه.

إن تحويل الاختلاف مع فرد إلى شبهة موقف من الدولة يحمّل الدولة تبعات أقوال لم تقلها، وينسب إليها خصومات لا يلزم أن تكون خصوماتها، ويجعل اسمها طرفاً في كل مشادة ثقافية، وتلك إساءة إلى المعنى السيادي للمشروع، فالمصلحة الوطنية أوسع من انتصار كاتب في جدال، وأكبر من حاجة تيار إلى إعلان غلبته على الآخرين.

مَن يثق بفكرته يستطيع أن يطرحها باسمه، ومَن يملك حجة يستطيع أن يعرضها دون استعارة هيبة أحد، لذلك يظل سؤال «مَن فوّضك؟» ضرورياً كلما جرى رفع رأي شخصي إلى مقام الإرادة الوطنية، إنه سؤال عن ادّعاء التمثيل، يطالب صاحب الكلام بأن يقف أمام الناس بحجته كاملة، وبمسؤوليته كاملة، دون أن يجعل الرؤية تتلقى عنه الاعتراض.

نقطة آخر السطر

الرؤية مشروع دولة، ومَن يجعل رأيه الشخصي أمراً باسمها، فليُبرز تفويضه قبل أن يطالب الناس بالامتثال.