ثمة قاعدة غير مكتوبة تكاد تكون مقدسة في عالم الطيران التجاري ومفادها أن الخطر يجب أن يبقى خارج قمرة القيادة. ولذلك نجد الأبواب مصفحة، والدخول إليها مقيد، وجميع الإجراءات مصممة بحيث لا يستطيع أي شخص من خارج الطاقم الوصول إلى مفاتيح التحكم بسهولة. لكن ماذا يحدث عندما يأتي الخطر من الشخص الجالس أصلاً داخل قمرة قيادة الطائرة؟
هذا السؤال المرعب أعادت طرحه بقوة واقعة رحلة «فلاي دبي» FZ1073، حين أقدم مساعد الطيار على مهاجمة قائده جسدياً داخل القمرة مستخدماً «فأس الطوارئ»، لتفقد الطائرة آلاف الأقدام من ارتفاعها وسط صراع دموي كاد يودي بحياة 174 راكباً.
لكن بعيداً عن صدمة هذه الواقعة الاستثنائية، تفتح هذه الحادثة الباب أمام تساؤل تاريخي خطير: هل سبق أن شهد تاريخ الطيران حوادث مشابهة كان فيها الخطر قادماً من داخل طاقم القيادة نفسه؟
- عام 1982.. عندما قرر «الطيار» إسقاط الطائرة بنفسه
في رحلة الخطوط الجوية اليابانية (Japan Airlines 350)، لم يكن الخطر قادماً من مساعد الطيار، بل من قائد الطائرة نفسه. وأثناء الاقتراب من طوكيو، دخل القائد في نوبة جنون محاولاً دفع الطائرة للغوص نحو الأرض. ورغم محاولات مساعد الطيار ومهندس الرحلة المستميتة لإيقافه وتقييده، تحطمت الطائرة قبل المدرج في حادثة أودت بحياة 24 شخصاً. والفارق هنا أن «الحامي» تحول إلى «مهاجم»، لكن من مقعد القيادة الرئيسي.
- عام 2015.. مساعد الطيار الذي أغلق الباب للأبد
واحدة من أكثر الكوارث صدمة في العصر الحديث وقعت في رحلة «جيرمان وينجز» (Germanwings 9525). حين خرج قائد الطائرة لفترة قصيرة، واستغل مساعد الطيار الفرصة ليغلق باب القمرة بالمزلاج الإلكتروني ويمنع القائد من الدخول. بعد ذلك، وجه الطائرة عمداً نحو جبال الألب الفرنسية لينفذ عملاً انتحارياً أسفر عن مقتل جميع من كان على متنها (150 شخصاً). ولم يكن هناك شجار جسدي، لكن النتيجة كانت دموية ومرعبة.
- عام 1994.. موظف يتسلل إلى قمرة القيادة
في رحلة «فيديكس» (FedEx 705)، جاء الخطر من شخص ينتمي لشركة الطيران لكنه لم يكن من طاقم الرحلة، إذ تسلل موظف غاضب وحاول مهاجمة الطيارين بالمطرقة والأسلحة البيضاء للسيطرة على الطائرة. ورغم أن طاقم القيادة تعرض لإصابات بالغة، إلا أنهم خاضوا معركة بطولية وتمكنوا من السيطرة عليه والهبوط بسلام.
وعند وضع حادثة «فلاي دبي» في سياقها التاريخي، نجد أنها تقدم نمطاً مختلفاً وشديد الندرة: ففي اليابان عام 1982، كان القائد قد انهار وهاجم طائرته. وفي جيرمان وينجز عام 2015، كان مساعد الطيار أغلق الباب ونفذ عملية انتحارية منفردة. أما في «فلاي دبي»، فقد وقع اعتداء جسدي مباشر ومباغت داخل القمرة من قِبل مساعد الطيار ضد قائده، باستخدام أداة حادة، مع محاولة سحب السيطرة على أدوات التحكم أثناء التحليق.
وعلى مدار عقود، أنفقت شركات الطيران مليارات الدولارات لتحصين أبواب قمرة القيادة ضد الهجمات القادمة من الخارج بعد أحداث 11 سبتمبر. لكن واقعة «فلاي دبي» أعادت طرح السؤال الأكثر إزعاجاً وهلعاً على طاولات وكالات السلامة الجوية العالمية: كيف تحمي قمرة القيادة عندما يصبح الشخص الجالس في عمق ذلك الحصن المنيع، ويملك مفاتيح التحكم، هو مصدر الخطر الحقيقي؟