شهدت الكويت إحدى أغرب قضايا التزوير في تاريخها الحديث، والتي تجسد بامتياز مفهوم الدمى الروسية المتداخلة (ماتروشكا)، إذ لم تقتصر عملية التلاعب على مجرد إضافة فرد وهمي، بل امتدت لتهدم جذور عائلة كاملة وتكشف سلسلة أجيال مزيفة بالكامل يتبعها نحو 59 فرداً.

ظهرت أولى تفاصيل الفضيحة حين تلقى قطاع مباحث الجنسية في الكويت معلومات سرية تفيد بأن شخصاً يُدعى «م» (مواليد 1968) أقدم على إدراج شخصين غريبين ضمن ملف جنسيته على أنهما ابناه الشرعيان.

وبتعميق التحريات الأمنية، انکشف الوجه الحقيقي للمفاجأة، إذ تبين أن المذكورين (المسجلين برمز «هـ» و«ف») هما في الأصل شقيقان يحملان جنسية خليجية، وجرى زرعهما داخل الملف الكويتي خصيصاً للاستفادة غير المشروعة من المزايا والامتيازات الممنوحة للمواطنين الكويتيين.

ومع اقتراب الطوق الأمني، سارع الشقيق الأول «هـ» لمغادرة الكويت نهاية عام 2025، بينما وقع الشقيق الثاني «ف» في قبضة الأمن. وبمواجهته بهاتفه والمستندات الخليجية التي تؤكد هويته الحقيقية، انهار المتهم معترفاً بأن «م» ليس والده، وأن الهدف الوحيد من العملية كان التحايل للحصول على الجنسية.

ولأن المتهم الرئيسي «م» غادر الكويت أيضاً مطلع عام 2026 دون أن تترك له بصمة وراثية محفوظة لدى الجهات الرسمية، لجأ المحققون إلى الحيلة العلمية الأدق، وهي العودة إلى بصمة الجد المفترض «ع» (المتوفى)، والمحفوظة لدى الإدارة العامة للأدلة الجنائية.

وهنا وقع الزلزال العلمي الكبير:

  • أثبت فحص البصمة الوراثية (DNA) أن المتهم «ف» ليس حفيداً للجد «ع».
  • لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أخضع المحققون ثلاثة من أبناء «م» الموجودين داخل الكويت للفحص ذاته، لتكون الطامة الكبرى: أبناء «م» لا يرتبطون وراثياً بالجد «ع» على الإطلاق!

وتأسيساً على ذلك، تكشفت الخديعة الكبرى بأبعادها الصادمة، فالأب الهارب «م» نفسه ليس ابناً للجد المسجل في ملف الجنسية، وفي الوقت ذاته ليس أباً للشخصين اللذين أضافهما على ملفه كأبناء.

ولقطع الشك باليقين، استدعت مباحث الجنسية في الكويت أبناء الجد المفترض «ع»، لتؤكد الاعترافات الرسمية أن من كانوا مسجلين كأعمام وأقارب لم يكونوا سوى حلقات في سلسلة تزوير شيطانية امتدت لعقود من الزمن.

هذا الزلزال القانوني والعلمي وضع مصير 59 شخصاً (من أبناء وبنات وأحفاد يتبعون الملف المزيف) في مهب الريح، بينما أُحيل المتهمون إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراءات القضائية، في ضربة أمنية قوية تؤكد عزم السلطات الكويتية على تطهير ملفات الجنسية من كافة أشكال التلاعب بالأنساب.