وقعتْ عينُ (أبو قفل) على كمره الذي نخرت العثّة حوافه، فطلب من زوجته (أم مفتاح) خيطاً وإبرة يخيط بها فتوق كمره؛ علّقتْ بصوت مسموع؛ كمرك من عهد نوح هويه ما تشتري لك كمر كما الناس؛ وتتصدق بالباقي على الضعوف، ردّ عليها؛ الله يِضعِفك على مابك، وأضاف؛ يحقر القرش الذي ما يفيده، كاد يزهق لسانه بشتيمة قاسية؛ فإذا أخوها (مدّسم الجُدران) واقف سدة الباب؛ وما منحهم فرصة يرحبون باللافي، عزم نفسه واستقعد جنب رحيمه، أدرج نظره ويليه، فطزته الإبرة، فوضع إبهامه في فمه؛ وقال؛ شكينا من المُكحلة وزاد جا لها مِرْوِد.
اشتهر (مدسّم الجدران) بعشقه للفنّ، والكيف، وصنع له سمسميّة يعزف عليها ليل الله ونهاره، والقريّة في وجهه يتباشرون به، وإذا صدوا عنه، ما يسمونه إلا السربوت ويصفونه بـ(أبو خوش منكوس). طلب من أخته تتكن البراد، اعتذر منه (أبو قفل) وقال؛ منحن بسامهين بنسرح نقصع عذوق الخريف، وأختك بتسرح تحتشّ للبقرة خُليان، وأضاف؛ الله يلقيك خير، فقام وقال؛ آجل هب لي تعميرة من التنباك اللي جاك البارحة من صاحبك التهامي، ولكي لا يكسرها في نحره تحامل على نفسه، وفك الخريطة، وطلب منه يفرد طرف عمامته، عقدها وكثّر بالخير، وتسلّق جداراً يوصله لساحة المسيد، واعتنز تحت حماطة الظلة وأشعل السجارة، وعينه على زوجة العطوي؛ كلما خرجت وإلا درجت عرفت وش في خاطره، فقالت (يا مدسّم)؛ حمارتنا تباقم تبغي لها فحل يلقحها، تهرجه وهي تمطق باللبانة في فمها وتضحك، أوجعه كلامها، فقال؛ عزّ الله إني أدري من هي اللي تباقم وتبغي الفحل، أخذها عند حبّة قلبه، واعطاها غبار أرجوله.
قبل ما يسرح (أبو قفل) تأكد أنه صمّك باب العُليّة؛ خوفاً تعقبه زوجته (أم مفتاح) وإلا أخوها طويل الذراع، وينثرون غلّته كما يقول؛ وعادتها كلما لاحظته يتحرّز، ناغشته بالكلام؛ وشت العُليّة لا يُكنّها (خزنة بن سليمان) ما غير تلقّط في القراشيع وتداخش يا دُخشان، طردك وسعيك رزق للفيران؟ نظر إليها وزفر من قلبه وقال لها؛ كل شيء لنا به حاجة يا عرقوبة، بعد يجي زمان يدوّر الواحد محش ما يلقاه؛ والله لا يعفي عن القحم اللي ابتلاني بك يا زلقوم الفقر، وما أمداه لسعها بكلمتين إلا وكعّشت راسها، وقامت تصيح وتنوح؛ أنا وش شفت منك يا فقران؛ حتى طمرة راس السنة استر بها ما خلق الله لي ما وجدتنيها، لو ما هيب أمي وجدتي يردون عليّه؛ كان معك كلني القمل، فضحك واقترب خريطة التنباك، وقعد على حافة المتكى وعمّر له من العثري ما يفكك خرمة الراس، ثم خبط بباطن كفه على ركبته، وقال؛ والله ما خليتِ ولا بقيت انتي وامك وجدتك عن العنز اللي رضعت كل حلال القريّة حتى الكلاب ما سلمت منها، وعوّدت ترضع نفسها.
سرح الوادي، والمرجمة بيده؛ ما تهنى طير ولا شبار خير بعذق من ذرته ولا حبّة؛ ولأنّه صاحب قصص، يسحر النسوان بحكاياته الغرامية، فيقبلن عليه فزعة، ولسانه لهن يقطر عسل، وكلما فتر حيلهن قصّد (غن شا الله إنا نسوقك يا الركيب المعفّى، ون ضاقت العثّري زدنا على المدّ جلده) فترتفع المعنويات، ويتعمدن استثارته بالغُنج واللفتات؛ وقلبه أخضر لكن ما يصخى الدراهم، ولكي ينجزنا العمل حكى لهم ليلة تروّح أبوه أُمه وكيف بغى يخج بطنها بالشفرة، سألنه؛ هويه؛ قال؛ مربطة سروالها خط البلدة بقرنب وابى ينفك ما غير فزعت جدتي ودهنته بشحمة من القِرى، فكساها آبي ريال عربي؛ تضاحكن وقلن؛ ما تمزى جدتك؟ فقال؛ وين تمزى، عذق جنب صفحة بنتي كنه في صفحتي.
أفتقد ولده (ساهي) من ليل البارح؟ نشد أمه فين ولدك سبع الفيّه؟ أجابت؛ سرح مع خاله الشرق يحتطبون. علّق؛ الولد ياجي حِراكه من حراك اهله... وأضاف؛ عزّ الله إلا بيضريه على التنباك والشمّة والقربعة، وزاد؛ ولدك تمبل وارشاده في عمره مفلّه، واذا اعتزته ما يجيني إلا متّلي تربيتك يا سمنة القطران؛ وهم في أخذها وعطاها، إلا وهذي دخلته عليهم، فسكت (أبو قفل) خشية أن يكون معمّر الطاسة مع خاله، ويتويه عمره، وبات ليلته الأخيرة في عُليته وبين قراشيعه وطمره، ومع شرقة الشمس والجماعة متقاطرة على المقبرة؛ يا رحام يا الله ما يدوم إلا الله.
ورث (ساهي) المال والحلال، والتف حوله الداشر والفاجر والحظ العاثر، وخلاها هو وخاله أبو سمسمية ألم نشرح، وأمه ثالثتهم ما صدقت تنتسم وتتنسم هوى الحياة، وصارت ترحب بالهامل والعامل والخامل هذا خارج وهذا داخل؛ ونفضوا مرزق الفاني نفضا، وفي صبيحة غبراء، أقبلت عليهم جدّة خضراء القومانية؛ وقلبت عليهم البيت، وفضحتهم من الله وخلقه. سمعت القرية وتسامعت بشتائمها من لسانها السليط؛ وجرّت ساهي مع أذانيه إلى فوق الجناح، وهي تصب فوقه من جحيم القول؛ وتدعي عليه؛ الله يخذلك يا مضحكة إن كان تسبّل حلال آبوك لأولاد الحرام؛ وتخلّي أمك تطبّخ وتنفّخ للسّلَق اللي ما رافقوك إلا طمعة فيك يا هبيلة، وأضافت؛ يا ليت لابوك بدية يشوف ضيعتك وسواد وجهك في حلاله، ردّ عليه؛ منين يبدي والشجاع الأقرع متحبطه بين الصِّلي، ما غير ادعي له بالفكة وبعدها يحلّها الحلال.