شهدت الأعوام الماضية اهتماماً متزايداً بحوكمة الشركات العائلية وإعداد المواثيق العائلية، إلا أن بعض المواثيق تعيد تنظيم مسائل سبق أن عالجها نظام الشركات أو النظام الأساس أو لوائح الحوكمة فتتحول إلى نظام أساس مواز، وهنا يبرز السؤال: هل الميثاق لتنظيم الشركة، أم لاستمرارية العائلة المالكة للثروة؟الميثاق الذي نحتاج إليه، ينبغي أن يتطور إلى «دستور عائلي» ينظم هوية العائلة وقيمها، وعلاقتها بالثروة وحقوق أفرادها ومسؤولياتهم، والقيادة والخلافة، والسمعة، وإدارة الاختلاف، وانتقال الثقافة والثروة بين الأجيال، ولا يعني ذلك أن الميثاق يعلو على النظام أو يحل محل النظام الأساس، فالأحكام ذات الأثر المباشر على الشركة أو ملكية الأسهم أو أجهزتها يجب أن تترجم إلى الأداة القانونية المناسبة، كالنظام الأساس أو اتفاق المساهمين أو هياكل الملكية.

فالتمييز يجب أن يكون واضحاً بين المبادئ الإرشادية، والالتزامات التعاقدية، والأحكام المؤسسية الملزمة، وهذا هو جوهر دور المستشار القانوني بأن يعمل على تحديد ما يبقى في الميثاق وما ينبغي نقله إلى وثيقة أخرى.

والميثاق الحقيقي، يجب أن يبقى ذا معنى حتى لو باعت العائلة شركتها أو تغيرت أصولها، لأن الشركة قد تباع أو تندمج أو يعاد هيكلتها، أما المؤسسة العائلية فهي العنصر المراد استمراره.

لذلك، ينبغي أن يعالج الميثاق فلسفة الملكية والثروة، ومعايير القيادة والخلافة على أساس الجدارة والثقة لا السن أو حجم الملكية، مع حماية كرامة الفرد وخصوصيته، كما يجب أن تتحول قيم العائلة إلى قواعد سلوكية تحمي الاسم والسمعة والسرية، وأن تشمل منظومة العائلة الرجل والمرأة وفق الكفاءة والأهلية مع احترام الأحكام الشرعية والنظامية.

ويبدأ إعداد الجيل الجديد قبل انتقال الملكية إليه، من خلال المعرفة والتعليم والمشاركة والمسؤولية، مع حفظ تاريخ العائلة وتجاربها، وتنظيم العلاقة مع المصاهرة، ووضع آليات لإدارة الخلاف تحفظ وحدة العائلة دون مصادرة حق الفرد في الاختلاف أو التخارج.

فالميثاق الحقيقي لا يكتب لزمن الوفاق فقط، بل ليعمل في زمن الاختلاف؛ والسؤال عند إعداده ليس: ماذا نريد أن نكتب؟ بل: ماذا نريد أن يبقى؟