في ترند الأخبار طرح سؤال من قبل مهندس ومسوق عقاري فحواه متى الوقت المناسب لشراء بيت؟
يقول المهندس لا تشتري إلا إذا وصلت الخمسين وعرفت وين بتستقر، ويقول المسوق العقاري «اشتري وأنت صغير وخل تملك البيت هدفك الأول قبل الاستثمار ولو تفطر فول وحليب ما عليك من أحد». في رأيي المتواضع البيت ليس جدراناً وسقفاً وأبواباً ونوافذ، وليس رقماً مكتوباً على عقد ملكية، بل هو المساحة التي يشعر الإنسان داخلها أن حياته مستقرة، وأن أيامه تمضي بعيداً عن القلق المرتبط بالمغادرة أو التجديد أو ارتفاع الإيجار أو مطالبة المالك بإخلاء المكان.
البيت يرتبط بالأمان والخصوصية والطمأنينة، ويمنح الأسرة شعوراً عميقاً بأن لها مكاناً ثابتاً تنتمي إليه.
السؤال المطروح متى يكون الوقت المناسب لشراء البيت؟
الإجابة لا ترتبط بعمر محدد، ولا بسعر محدد، ولا بعبارة جاهزة تصلح للجميع.
القرار يرتبط بقدرة الإنسان على امتلاك بيت دون أن يتحوّل البيت نفسه إلى عبء يطارد راحته ويستنزف دخله.
المهندس يرى أن شراء البيت لا ينبغي أن يكون قراراً متعجلاً، وإنما بعد وصول الإنسان إلى مرحلة يعرف فيها أين يريد أن يستقر.
أما رجل العقار فيذهب إلى فكرة مختلفة، مفادها أن امتلاك البيت ينبغي أن يكون هدفاً مبكراً، لأن الإنسان يستطيع بعد ذلك توجيه جزء من دخله للاستثمار بدلاً من دفع الإيجار. وبين الرأيين مساحة واسعة للتفكير، لأن ظروف الناس ودخولهم والتزاماتهم تختلف، لكن الفكرة الأهم تبقى واحدة البيت قرار مالي وحياتي معاً.
السكن بالإيجار يمنح الإنسان مرونة يستطيع معها الانتقال من حي إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، دون ارتباط طويل الأمد بعقار واحد.
قد يكون الإيجار هو الخيار الأكثر ملاءمة لمن تتغيّر ظروف عمله أو دخله، أو لمن لم تتضح أمامه وجهة الاستقرار النهائي.
لكن هذه المرونة لها مقابل، يتمثل في استمرار الالتزام المالي.
كل شهر يأتي معه موعد جديد للدفع، وكل عام قد يأتي معه عقد جديد وشروط جديدة واحتمال زيادة في القيمة أو تغيّر في رغبة المالك.
الأسرة التي أمضت سنوات طويلة بالإيجار تكتشف أن مبالغ ضخمة خرجت من دخلها خلال سنوات، دون أن يتحوّل ذلك الإنفاق إلى أصل مملوك لها.
البيت المملوك يمنح صاحبه شعوراً مختلفاً لا أحد يطالبه بإخلائه لمجرد انتهاء عقد، ولا يحتاج إلى إعادة حساباته مع كل تجديد، ولا يعيش القلق.
البيت يصبح أصلاً ثابتاً، ويمكن أن ينتقل إلى الأبناء، أو يؤجر مستقبلاً، أو يباع عند الحاجة، أو يبقى ملاذاً للأسرة مهما تغيّرت الظروف.
الأهمية هنا لا تتعلق بالمال وحده.
الطفل الذي يكبر داخل بيت تعرف أسرته أنه ملكها يشعر باستقرار مختلف؛ الأسرة تستطيع ترتيب المكان وفق احتياجاتها، وتجديده وتعديله، وزراعة حديقته، وتعليق ذكرياتها على جدرانه، دون أن تفكر كل مرة في موافقة مالك العقار. البيت المملوك يتحوّل مع السنوات من عقار إلى ذاكرة عائلية.
لكن امتلاك البيت لا يعني الدخول في التزام مالي أكبر من القدرة.
شراء عقار مرتفع القيمة بقرض يستنزف معظم الدخل قد يحوّل حلم الاستقرار إلى مصدر قلق دائم.
البيت الجميل الذي يستهلك الراتب كله قد يصبح أقل راحة من منزل متواضع يستطيع صاحبه دفع تكلفته دون اختناق مالي.
الوقت المناسب لشراء البيت يبدأ عندما تجتمع ثلاثة أمور:
دخل مستقر، وقدرة واقعية على تحمّل التكلفة، ورغبة واضحة في الاستقرار. بعدها ينبغي اختيار بيت يناسب الحاجة الحقيقية، لا بيت يرضي المظاهر، لا بيت أكبر لمجرد أن الآخرين يمتلكون مثله.
شراء البيت ليس سباقاً مع الآخرين. لا ينبغي أن يشتري الإنسان منزلاً لأنه رأى صديقه يفعل ذلك، ولا أن يستمر مستأجراً لأنه يخشى الالتزام. لكل أسرة حساباتها، ولكل إنسان دخله وأهدافه ومسؤولياته.
الأذكى أن يتحوّل حلم البيت إلى خطة.
ادخار منتظم، دراسة الأسعار، معرفة القدرة التمويلية، مقارنة الخيارات، وتحديد المنطقة المناسبة، ثم انتظار العقار الذي يجمع بين السعر المعقول والمواصفات الضرورية.
قرار كهذا يستحق التفكير الهادئ، لأن البيت الذي نشتريه قد يبقى معنا عشرات السنين.
والبيت في نهاية الأمر عنوان للعائلة، ومكان للذكريات، وملجأ للإنسان، ومساحة يشعر داخلها أن حياته تخصه.
قد يكون الإيجار مناسباً لمرحلة معينة، لكن امتلاك البيت يمنح الإنسان شيئاً لا تستطيع قيمة الإيجار أن تمنحه إحساساً بأن هذا المكان لك، وأن بابك لا يفتحه أحد عليك بقرار منه، لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي.. متى تنخفض أسعار العقارات؟
السؤال الأعمق هو متى أصبح قادراً على امتلاك بيت يناسبني، دون أن أفقد بسبب ذلك راحتي وقدرتي على الحياة؟
عند الإجابة عن هذا السؤال بصدق، يبدأ الطريق إلى البيت المناسب.