في هواية طرح أو شبك الصقور من السماء، قد يقضي الطاروح أياماً ينتظر صقراً واحداً، وحين يظفر به تبدأ مسألة أخرى: كم يساوي هذا الصقر؟ ومن يقدّر قيمته؟ وكيف يصل إلى الصقار الذي يبحث عنه؟


هذه الأسئلة كانت لسنوات جزءاً من تجربة الطرح نفسها، فالمعرفة بالصقر شيء، والوصول إلى سوق تمنحه قيمته وتحفظ حق صاحبه شيء آخر، ومن هذه المسافة تحديداً يمكن فهم ما صنعه مزاد المركز الوطني للصقور في مواسم الطرح المحلي.


في الأول من أكتوبر يبدأ استقبال صقور الطرح لهذا العام، ويستمر شهرين متزامناً مع موسم عبور الصقور المهاجرة في المملكة، وفي كل صقر يصل إلى المزاد، يمكن رؤية سلسلة كاملة تبدأ من الطاروح في الميدان، وتمر بفرق الاستقبال والنقل والتوثيق، وتنتهي أمام مجموعة من الصقارين يتنافسون عليه في مزاد مباشر.


المزاد أعاد ترتيب العلاقة بين الطاروح والسوق، فبدل أن يبقى بيع الصقر محكوماً بدائرة المعارف والمفاوضات الفردية، أصبح للطاروح مكان معلوم يعرض فيه صقره، ومزايدة مفتوحة تحدد قيمته، وإجراءات توثق البيع وتحفظ حقوق أطرافه، وهذا التحول مهم في موروث تقوم أجزاء كبيرة منه على المعرفة المتوارثة، فالطاروح يعرف مواسم العبور ومواقعها، ويقرأ حركة الصقر، ويمتلك خبرة لا تُكتسب في موسم واحد، وعندما تدخل هذه الممارسة في إطار منظم، فإن التنظيم يخدم أهل الموروث من داخل ممارستهم، من دون أن ينتزع منهم دورهم الأساسي.


ولعل أحد أكثر جوانب المزاد دلالة هو أن التنظيم لم يُبنَ حول البيع وحده، فالمزاد مخصص لفروخ الشاهين البحري المهاجر، ولا يشمل الشاهين القرناس والصقر الحر، دعماً لاستدامتهما والمحافظة على سلالاتهما، وهذه الفكرة تظهر معادلة تستحق الاهتمام، فالصقارة تحتاج إلى الصقار والطاروح والسوق، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى بقاء الصقور، وأي مشروع يريد لهذا الموروث أن يستمر لا يستطيع فصل ممارسة الصقارة عن المحافظة على موردها الطبيعي.


لهذا لا تكفي أرقام المبيعات وحدها لقراءة نجاح مزاد الطرح المحلي، قد تخبرنا الأرقام عن قيمة صقر أو حجم تداول، لكنها لا تخبرنا بكل ما تغيّر حول السوق: وصول فرق المركز إلى الطواريح في مناطق المملكة، ونقل الصقور إلى مقر المزاد، وتوفير السكن والنقل، وتوثيق عمليات البيع، وإتاحة المزايدة أمام جمهور أوسع من الصقارين.


والأثر الأهم يظهر عند الطاروح نفسه، فمن يبدأ رحلته في منطقة بعيدة عن الرياض يستطيع أن يصل بصقره إلى مزاد يتابعه الصقارون والمهتمون، من دون أن تكون المسافة أو دائرة علاقاته هي التي تحدد فرصته في البيع، قيمة الصقر تصبح أمام المنافسة، والقرار يعود لمن يريد شراءه.


على مدى 60 يوماً، خلال شهري أكتوبر ونوفمبر، ستصل صقور جديدة إلى مقر المركز بمَلهم، لتكشف لنا أن موسم الطرح أصبح أكثر تنظيماً، وأن الطاروح أصبح جزءاً من سوق واضحة المعالم، وأن المحافظة على الصقور جزء من دور المركز الوطني للصقور، الذي يسعى إلى الحفاظ على هواية عريقة، والحفاظ كذلك على هويتنا نحن كسعوديين، وما نحمله من موروث يمتد إلى آلاف السنين.