يُعرض على منصة «نتفليكس» مسلسل اسمه «فوضى»، ويتضح أنه بإشراف أجهزة الأمن الإسرائيلية؛ لأنه يصوّر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من وجهة نظر إسرائيلية، وقد جاء المسلسل في عدة مواسم، ركّزت على المواجهات بين حركة حماس وإسرائيل وما يتخللها من تفاصيل عسكرية واستخباراتية، وبالطبع لا بد أن تركّز الرواية الإسرائيلية على كل سلبيات حماس وتضخّمها إلى أقصى حدٍّ، وتسقطها وطنياً وأخلاقياً وإنسانياً، فهي إما فصيل قاتل متوحش همجي، أو فصيل خائن يسهل تجنيده إسرائيلياً. وقد كان الموسم الجديد من المسلسل عن حرب 7 أكتوبر، التي أجهزت فيها إسرائيل على كل ما في قطاع غزة، وحوّلته إلى ركام من الدمار.
وهنا لا نريد الدخول في إشكالية وملابسات وجدوى ما قامت به حماس ذلك اليوم، وفتح على الغزاويين بوابات الجحيم، ولكن نريد فقط الإشارة إلى كيف اختزلت حلقات المسلسل كل ما حدث في التركيز على حادثة واحدة تم بناء بقية الأحداث الدرامية عليها، هي ادعاء دخول مسلحين من حماس إلى منزل أحد أفراد الأمن الداخلي الإسرائيلي في غيابه، وقتل أولاده وزوجته بعد اغتصابها، لتنفجر بقية الأحداث من هذه البؤرة المركزية، وتستند إليها لخلق صورة صراع ذي وجهين: وجه الشر الحمساوي، ووجه الخير الإسرائيلي، هكذا وبكل بساطة.
منذ اندلاع حرب غزة، لا أتذكّر عملاً فنياً لافتاً تعرّض للوحشية الإسرائيلية المتناهية سوى فيلم «صوت هند رجب»، للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، الذي حصل على جائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية السينمائي عام 2025، وقد كان فيلماً رائعاً بحق، ولكن لم نشاهد عملاً غيره يجسد الفظائع التأريخية التي ارتكبتها إسرائيل. قد يقول قائل، إن ما نقلته ووثقته شاشات الفضائيات فيه ما يكفي لإثبات جرائم إسرائيل. هذا صحيح، ولكن للدراما والسينما مهمة أخرى غير النقل والتوثيق، وهي الغوص في التفاصيل برؤية مختلفة، وخلق سردية بمنظور مختلف عن التوثيق؛ فالعمل الفني الاحترافي الإبداعي الذكي يوظّف الأحداث لخلق سردية غير مباشرة، لكنها مؤثرة، وتبقى في الذاكرة طويلاً.
تحاول إسرائيل ترسيخ سردية معينة، من خلال مثل هذا المسلسل وما شابهه من أعمال فنية أخرى، كنوع من أدوات القوة الناعمة لادعاء مظلوميتها، وأن ما قامت به كان ثأراً لقتل مدنيين عُزّل، بينما هي تبيد المدنيين منذ نشأتها إلى الآن بوحشية غير مسبوقة في تأريخ البشرية.
بالإضافة إلى كل الوسائل التي تدين تأريخ إسرائيل الملوّث بدم الأبرياء، نريد أعمالاً فنية ترقى لكي تكون شهادات يراها العالم بكل اللغات. نريد أعمالاً تدحض فوضى إسرائيل.