المؤكد أن الجغرافيا تعيد تشكيل السياسات، وكما قيل: «سياسة الدول تكمن في جغرافيتها»؛ فالحدود والموقع والموارد ليست مجرد خلفية ثابتة للأحداث، بل هي المحرك الأساسي الذي يفرض على الدول تحالفاتها وصراعاتها، وتحديد أصدقائها من أعدائها، كما أن التغيّرات البيئية والتكنولوجية الحديثة جعلت الجغرافيا تعيد رسم المشهد السياسي العالمي بطرق غير مسبوقة.
لقد أثبتت أحداث التاريخ والواقع الحالي أن الدول لا تستطيع تغيير موقعها الجغرافي، وجيرانها، وإطلالتها البحرية، أو افتقارها إلى المنافذ الطبيعية، وهذا الواقع هو الذي يفرض على صنّاع القرار سياساتهم الخارجية، وتحالفاتهم، وحتى عقيدتهم العسكرية.
الجغرافيا في منطقة الشرق الأوسط تُعد قدراً استراتيجياً ضاغطاً وصانعاً للسياسات؛ فالمنطقة تُمثّل «العقدة المركزية» التي تتقاطع فيها قارات العالم، وهذا الموقع الفريد جعلها ماضياً وحاضراً مسرحاً للتنافس الدولي المستمر، كما حوّل تفاصيلها الجغرافية إلى محركات سياسية أساسية في إدارة الصراع الدولي، وتحقيق مصالح السيطرة والنفوذ.
ولو نظرنا إلى تفاصيل جغرافيا المنطقة التي تعكس مكانتها، نجد أنها تتحكم في ثلاثة من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم (مضيق هرمز، وقناة السويس، وباب المندب)، وهذه الممرات تجعل أمن دول المنطقة مرتبطاً بالأمن الاقتصادي العالمي وسلاسل الإمداد، وكذلك تركزُ الاحتياطيات الهائلة للطاقة في منطقة الخليج، وانعكاساتُ ذلك في بناء تحالفات سياسية وعسكرية معقّدة لحماية هذه المصادر.
أما بالنسبة إلى التفاصيل الجغرافية الأكثر تهديداً في الشرق الأوسط، فما يرتبط بترسيم الحدود التي تجاهلت التوزيع الديموغرافي للشعوب منذ سايكس بيكو عام 1916م، ولا تزال نتائجها العكسية تشكّل مصدراً دائماً للنزاعات وعدم الاستقرار الإقليمي إلى اليوم. كذلك أزمة «الدفاع في العمق الجغرافي» لدولة مثل إسرائيل جعلتها تتبنى استراتيجيات عسكرية هجومية قائمة على نقل المعارك خارج حدودها، وتوجيه الضربات الاستباقية لتأمين نفسها، إضافة إلى جغرافيا الأنهار في المنطقة التي تخلق أزمات سياسية عابرة للحدود؛ مما يضع دول المصب، مثل (مصر والعراق وسورية)، في حالة تفاوض أو توتر مع دول المنبع لتأمين حصصها المائية.
الجغرافيا في الشرق الأوسط زادت المشهد السياسي تعقيداً في هذه المرحلة، ونتائجها واضحة مع تمدد الصراع في مضيق هرمز وباب المندب، وتجاوز حدود المصالح إلى أطماع السيطرة والنفوذ، ومحاولة فرض واقع جديد وتحالفات جديدة، وكل هذه التحوّلات المتسارعة تجعلنا أمام اختبار حقيقي كلما رأينا خارطة المنطقة، وأظهرنا جانباً من التحليل بأن القادم يحتاج إلى رؤية سياسية واقتصادية لا تحجبها الجغرافيا، ولكن تتماهى معها، وتستثمر إمكاناتها للمستقبل.
جغرافيا الخليج، مثلاً، كمصدر للطاقة والإمداد اللوجستي العالمي، عليها ألّا ترتهن في هذه المرحلة للصراع في المنطقة، بل تتجاوز عقدة مضيق هرمز أو باب المندب، والالتفاف عليهما من خلال التفكير في حلول أخرى لتنويع الممرات والمنافذ البحرية والبرية، من خلال تفعيل خطوط الأنابيب البرية، وشبكات «الربط السككي» لربط موانئ الخليج بموانئ بحر العرب (عبر سلطنة عُمان) والبحر المتوسط.
هذا التحوّل ينقل دول الخليج من دور «الحارس للممر المائي» - الذي يتحمّل كلفة الصراعات دون أن يملك السيطرة الكاملة عليها - إلى دور «المنصة اللوجستية العالمية»، وفي هذه الحالة تصبح جغرافيا الخليج مرنة وقابلة للتكيّف مع أسوأ السيناريوهات السياسية؛ لأن العالم سيصبح معتمداً على استقرار «الشبكة البرية الخليجية» ككل، وليس فقط على أمن مضيق بحري بعينه.