أحياناً لا تتم إحالة الطائرات للتقاعد بسبب العمر، بعضها تطير بكفاءة لسنوات طويلة، بينما تستبعد أخرى وهي في عمر أقصر، لأن القرار اقتصادي أكثر مما هو فني، وفي هذا الزمن تحديداً صار سعر الوقود هو الذي يصدر قرار تقاعد معظم الطائرات.
الأسبوع الماضي أنهت الخطوط القطرية تشغيل ما بقي لديها من طائرات إيرباص A330 المخصصة للركاب، ومنحت 10 طيارين على هذا الطراز إعارة للخطوط الرواندية.
الخطوط القطرية كانت قد استأجرت أربع طائرات A330 من الطيران العماني خلال العام الماضي، وكان مخططاً استمرار تشغيلها طوال عام 2026، إلا أنها لم تدخل الخدمة التجارية لدى الشركة أصلًا، وحسب معلومات نشرتها وكالة رويترز فإن بعض تلك الطائرات متوقفة في الدوحة وتيرويل الإسبانية، وسيعاد بعضها إلى المؤجرين.
الشركة قالت إن مراجعة الأسطول وإحلال الطائرات الأحدث والأكثر كفاءة مكان القديمة جزء طبيعي من إدارة العمليات خاصةً وهي تنتظر مئات الطلبيات الجديدة من إيرباص وبوينغ.
القصة هنا ليست الخطوط القطرية ولا الـA330 تحديداً، فالطائرة واحدة من أنجح الطائرات عريضة البدن في تاريخ الطيران الحديث، وما زالت مئات منها تعمل حول العالم، القصة هي أن المعادلة الاقتصادية التي أبقت بعض الطائرات القديمة في الخدمة خلال السنوات الماضية بدأت تتغيّر.
بعد جائحة كورونا حدث شيء عكس ما توقعته الصناعة، خرجت طائرات كثيرة من الخدمة ثم عاد الطلب على السفر بسرعة، بينما لم تستطع إيرباص وبوينغ والمحركات وسلاسل التوريد تسليم الطائرات الجديدة بالسرعة التي أرادتها شركات الطيران، فجأة أصبحت الطائرات القديمة مطلوبة.
طائرات كان يفترض أن تتقاعد مُددت خدمتها، وأعيدت طائرات من التخزين، وارتفعت أسعار تأجير الطائرات المستعملة، كان المنطق إذا أنت تملك طائرة تستطيع حمل 250 أو 300 مسافر، والسوق يريد تلك المقاعد، فمن الأفضل أن تطير بها حتى وإن كانت تستهلك وقوداً أكثر من الجيل الجديد، لكن هذا المنطق يكون مقنعاً عندما تكون تكلفة الوقود معقولة.
اليوم تغيّر أحد أهم أرقام المعادلة، فقبل أسبوعين كان المتوسط العالمي لوقود الطائرات 171 دولاراً للبرميل، ثم ارتفع إلى 181 دولاراً، وفي أحدث نشرات أسعار الوقود التابع للاتحاد الدولي للنقل الجوي «IATA» وصل إلى 194 دولاراً للبرميل، مرتفعاً 7.4% في أسبوع واحد، أو 25 دولاراً خلال أسبوعين فقط.
عند هذا المستوى من الارتفاعات يتحول استهلاك الوقود إلى قرار تجاري بحت.
وتزداد أهمية الأمر عندما نعرف أن IATA تتوقع أن تبلغ فاتورة وقود شركات الطيران العالمية 350 مليار دولار خلال 2026، وأن يقفز بند الوقود من 25.4% من مصروفات التشغيل في 2025 إلى 31.4% هذا العام.
هنا تظهر قيمة الطائرات الحديثة بصورة مختلفة تماماً.
إيرباص تقول إن الـ A350 تستهلك وقوداً أقل بنحو 25% مقارنة بطائرات الجيل السابق التي تستبدلها، وتقول بوينغ الشيء نفسه عن 787، بينما توفر عائلة A320neo ما يصل إلى 20% مقارنة بالجيل السابق من الطائرات أحادية الممر.
هذه النسب قد تبدو أرقاماً دعائية عندما يكون الوقود رخيصاً، لكن عندما يقترب البرميل من 200 دولار تتحوّل إلى ملايين الدولارات المحتملة في حسابات الشركات، خاصةً لطائرة بعيدة المدى تطير آلاف الساعات سنوياً.
ارتفاع الوقود لا يعني ارتفاع سعر التذكرة فقط، يعني أيضاً حذف الرحلات ضعيفة الربحية، ثم تقليص سعة السوق وبعد ذلك إعادة توزيع الطائرات الأكثر كفاءة على الخطوط الأطول، وأخيراً اتخاذ القرار الأصعب «إخراج الطائرة القديمة من الأسطول قبل الموعد الذي كان مخططاً لها».
تشير بيانات Cirium التي أوردتها وكالة رويترز إلى أن عمليات طائرات A333 عالمياً أصبحت في سبتمبر أقل بنحو 12% عن الفترة نفسها من العام الماضي. ويرى محللون أن طائرات من هذه الأجيال بقيت في الخدمة أطول مما كان متوقعاً بسبب تأخر التسليمات وقوة الطلب بعد الجائحة، لكن ارتفاع الوقود أجبر الشركات على تغيير الحسابات.
ما يحدث اليوم يعيد ترتيب دورة بدأت بعد كورونا، كان السؤال أين نجد طائرة إضافية، وكانت الصناعة مستعدة لإبقاء الطائرات القديمة في الخدمة لتلبية الطلب، أما الآن ومع ارتفاع الوقود فقد أصبح السؤال أي طائرة تستحق أن تبقى؟
لهذا السبب قد نرى خلال الفترة المقبلة تسارعاً في خروج بعض الطائرات القديمة، بالتزامن مع ازدياد قيمة كل A350 و787 وA320neo و737 MAX ليس لأنها أحدث أو أجمل إنما لأنها تحرق وقودا أقل.
في صناعة تحسب أرباحها أحياناً بدولارات قليلة لكل مسافر، قد يقرر السوق عمر الطائرة الاقتصادي قبل أن تقرر الصيانة عمرها الفني.. فتاريخ تصنيع الطائرة لا يحدد موعد تقاعدها، الذي يحدده أحياناً هو سعر برميل الوقود.