لم تكن المقاعد التي أخلاها دبلوماسيون أثناء كلمة بنيامين نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد فراغ في قاعة؛ كانت صورة مكثفة للفراغ الذي يتسع حول إسرائيل، وللمسافة التي صنعتها سياساتها بينها وبين ضمير العالم. فالدولة التي طالما قدّمت نفسها بوصفها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» تواجه اليوم سؤالاً أشد قسوة من أي حملة إعلامية: ماذا بقي من هذه الرواية أمام صور الأطفال الجائعين، والبيوت المدمرة، والعائلات التي فقدت كل شيء في غزة؟

لا تستطيع آلة العلاقات العامة أن تمحو مأساة يراها الناس، ولا تستطيع بلاغة الدفاع عن النفس أن تمنح الانتهاكات حصانة أخلاقية دائمة. وما تخسره إسرائيل يتجاوز التعاطف العابر إلى تآكل رصيد سياسي راكمته طوال عقود، وإضعاف قدرة حلفائها على تبرير حمايتها أمام مجتمعاتهم.

لقد فرضت بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج عقوبات على الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بسبب التحريض على العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وهي خطوة تكشف أن الاعتراض بات يصل إلى شخصيات داخل السلطة، ويتجاوز بيانات القلق المألوفة. وفي المقابل، يبقى نتنياهو مطلوباً بموجب مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية تتعلق باتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فترافقه الملاحقة القضائية حيثما ذهب، وتضع الدول المستقبلة له أمام أسئلة سياسية وقانونية محرجة.

وحتى الملاعب، التي اعتادت الحكومات التعامل معها باعتبارها مساحة بعيدة عن الحسابات الدبلوماسية، أصبحت مرآة لهذه الخسارة. فالاحتجاجات الإيرلندية على مواجهة إسرائيل، ومطالبة الاتحاد الإيرلندي بتعليق مشاركتها، وموقف مدرب المنتخب، تعكس انتقال الرفض إلى مساحات شعبية يصعب احتواؤها ببيان رسمي. وحين يصبح حضور إسرائيل نفسه موضوعاً للاحتجاج، فإن الضرر يصيب صورتها وقدرتها على الاندماج الطبيعي في العالم.

أما زيارة نتنياهو نيويورك من دون لقاء مقرر مع الرئيس الأمريكي، فتضيف مشهداً لافتاً إلى هذه الصورة، وإن كانت لا تكفي وحدها لإثبات تحوّل أمريكي أو حساب انتخابي محدّد. فالعلاقة بواشنطن لا تزال قوية، لكن قوة التحالف لا تلغي الكلفة المتزايدة للدفاع عن سياسات تستنزف مصداقية المدافعين عنها.

هنا ينبغي أن يصل السؤال إلى المواطن الإسرائيلي، وخصوصاً من يرفض الارتهان للأحزاب المتطرفة: أي مستقبل تصنعه حكومة تربح جولة عسكرية وتخسر معها مزيداً من الثقة والقبول؟ وأي أمن يمكن أن يستقر فوق الخوف الدائم، وحرمان شعب آخر من حقوقه، وتوسيع دائرة الغضب في المنطقة؟

ليست دعوة المجتمع الإسرائيلي إلى المراجعة تحميلاً لكل فرد مسؤولية قرارات حكومته، وإنما مطالبة له بألا يترك المتطرفين يحتكرون تعريف مصلحته ومستقبل أبنائه. فالعزلة تبدأ بصورة سيئة، لكنها قد تتحوّل إلى قيود على التعاون، وتراجع في الشراكات، واتساع للمقاطعة، وعبء يرافق الأجيال المقبلة.

والأخطر أن خطاب نتنياهو، بما طغى عليه من دفاع عن القوة ومهاجمة المنتقدين، لم يقدّم أفقاً سياسياً مقنعاً للسلام مع الفلسطينيين. فالسلام يحتاج إلى اعتراف بالحقوق، وإرادة لإنهاء الاحتلال، وضمانات تحمي المدنيين، ولا يولد من إعلان الانتصار المتكرر.

إن الاستمرار في الانتهاكات مع تجاهل الاحتجاج والعقوبات يرسل رسالة خطيرة مفادها أن القوة تستطيع تجاوز كل مساءلة؛ وهذه وصفة لإدامة الصراع وتعميق هشاشة الشرق الأوسط. وقد تؤخر الحماية الدولية دفع الفاتورة، لكنها لا تلغي تراكمها. لذلك فإن معركة إسرائيل الحقيقية مع صورتها تبدأ بتغيير سلوكها، وبفهم أن حياة الفلسطيني ليست تفصيلاً في حسابات الأمن الإسرائيلي.

وعلى المواطن الإسرائيلي أن يسأل حكومته، قبل أن يطالب العالم بتحسين نظرته إليه: إلى أين تأخذوننا؟ وكم سنخسر بعد، حتى نعترف بأن السلام شرط للبقاء الآمن؟