تعيش المملكة واحدة من أعظم التحوّلات في تاريخها الحديث، وشكّل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث أحد المثابات والصروح التي وعت الرؤية حق الوعي، ونهضت بقوائمها، وحلّقت بأجنحتها، لتبلغ مقاماً سنياً، مقدمةً الإنجاز تلو الإنجاز، مما مكّن لها مكانة ريادية في القطاع الصحي التخصصي الذي شهد تحوّلات كبيرة بتوجيه قائد التغيير وصانع رؤية المملكة القديرة ولي العهد الأمير محمد.

من باب الرؤية الفسيح، شارك الرئيس التنفيذي لمجموعة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث الدكتور ماجد بن إبراهيم الفياض، في قمة أوراكل للصحة وعلوم الحياة بولاية فلوريدا الأمريكية الأسبوع الماضي، مع مجموعة من قادة التغيير الصحي في العالم؛ لشرح تجربة المملكة وتقدمها في المجال الصحي التخصصي وتطويع التقنية لصالح المريض.

تمحورت النقاشات حول التحوّل الرقمي الشامل المعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية، مركّزاً على تجربة التخصصي، ومستعرضاً حوكمة الذكاء الاصطناعي التي طوّرها المستشفى، ومؤكداً أن الحوكمة تمنح المؤسسات الثقة اللازمة للتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يدعم تقديم رعاية أكثر قرباً من المرضى؛ فهو لم يعد ضيفاً عابراً على قطاع الصحة، ولا فكرة تقنية تنتظر إثبات وجودها.

المشهد يتغيّر بسرعة، والأنظمة الصحية الكبرى بدأت تنتقل من مرحلة التجربة والاستعراض إلى مرحلة مختلفة تماماً: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً أصيلاً من العمل اليومي؟ وكيف نحوله من أداة مبهرة إلى قيمة حقيقية يشعر بها الطبيب والمريض والإدارة؟

تجلت هذه الفكرة بوضوح في طرح الدكتور الفياض حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي؛ فالقيمة الحقيقية لهذه التقنية لا تكمن في استعراض قدراتها، وإنما في توظيفها لخدمة الطبيب والمريض وتحسين كفاءة المنظومة الصحية.

الذكاء الاصطناعي يستطيع معالجة كميات ضخمة من المعلومات، والمساعدة في تحليل البيانات، ودعم التشخيص والقرار الطبي، وتخفيف الأعباء الإدارية التي تستنزف جزءاً كبيراً من وقت العاملين في القطاع الصحي، ليصبح الذكاء الاصطناعي أداة تعزز قدرات الطبيب، لا بديلاً عنه.

الطبيب يمتلك الخبرة السريرية وفهم الحالة الإنسانية للمريض، وتمنحه التقنيات الذكية قدرة استثنائية على معالجة البيانات واكتشاف الأنماط وتقديم المعلومات بسرعة كبيرة، وتكمن القوة الحقيقية في الجمع بين القدرتين؛ فالنجاح يرتبط بامتلاك المؤسسة رؤية واضحة لما تريد حله، وبنية تقنية قادرة على الاستيعاب، وقيادة تعرف كيف تنقل التقنية من الشاشة إلى غرفة الطبيب وسجل المريض ومسار الخدمة الصحية.

المشكلة التي تواجه البعض هي كثرة التجارب التي لا تصل إلى مرحلة الاستخدام الفعلي، وتجد صعوبة في تحويلها إلى حلول بسبب البيانات، والحوكمة، ودمج التقنية داخل سير العمل، وتحديد المسؤولية عندما تقدم الخوارزمية نتيجة تحتاج إلى مراجعة بشرية.

المستشفى الناجح في عصر الذكاء الاصطناعي ليس المستشفى الذي يضع شعار (AI) على أكبر عدد من مشروعاته، وإنما الذي يبدأ من مشكلة صحية أو إدارية واضحة، ثم يسأل: هل تستطيع التقنية حلها بصورة أفضل؟ وهل نستطيع قياس هذا التحسّن؟

قد تكون المشكلة انتظار المريض، أو ازدحام المواعيد، أو الأعمال الورقية التي تستهلك وقت الطبيب، أو اكتشاف المرض مبكراً، أو تحليل كميات هائلة من البيانات التي يستحيل على الإنسان قراءتها بالسرعة نفسها.

عندها يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة، لا غاية.

بالعودة إلى طرح الدكتور الفياض بشأن مستقبل الطب، فإن الطبيب، وفق هذه الرؤية، سيظل محور العملية العلاجية، لكن أدواته ستصبح أكثر قوة. يساعده الذكاء الاصطناعي على الوصول إلى المعلومات، ومقارنة البيانات، واكتشاف مؤشرات قد يصعب التقاطها بالوسائل التقليدية، بما يتيح له اتخاذ القرار على أساس قاعدة معلومات أوسع وأسرع.

هذا التحوّل ينعكس على علاقة الطبيب بالمريض.

كل دقيقة يوفرها الذكاء الاصطناعي من الأعمال الروتينية يمكن أن تتحوّل إلى وقت إضافي للفحص والاستماع والشرح والمتابعة.

وهذه إحدى أهم الفوائد التي ينبغي أن يبحث عنها النظام الصحي: أن تعيد التقنية إلى الطبيب جزءاً من وقته الذي أخذته الأعمال الورقية والإجراءات المتكررة.

نجاح الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى فرق تجمع الأطباء والممرضين والمتخصصين في المعلومات والتقنية والإدارة، بحيث لا تبقى التقنية مشروعاً معزولاً داخل إدارة تقنية المعلومات.

الانتقال من النموذج التجريبي إلى الاستخدام الواسع يحتاج إلى مسؤولية جماعية، وإلى فهم عميق لطبيعة العمل الصحي واحتياجات المريض.

هناك درس آخر بالغ الأهمية: السرعة وحدها ليست نجاحاً؛ يمكن لمؤسسة أن تنشر عشرات الأدوات خلال عام، ثم تكتشف أنها خلقت عشرات المشكلات الجديدة.

المطلوب سرعة محسوبة، تقترن بالاختبار والمراقبة والحوكمة والأمن وحماية بيانات المرضى.

تبدو المنافسة القادمة بين الأنظمة الصحية مختلفة عن منافسة الماضي.

لن يكون السؤال: من يملك أحدث جهاز؟

بل من يستطيع استخدام البيانات بذكاء؟

من يختصر رحلة المريض؟

من يتيح للطبيب وقتاً أطول للمريض ووقتاً أقل للأعمال الروتينية؟

من يستطيع اكتشاف الخطر قبل تحوله إلى أزمة؟

هذه هي القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي.

المؤسسة التي تفهمه باعتباره تحوّلاً مؤسسياً ستعيد تصميم سير العمل نفسه، وتبني ثقافة جديدة للتعامل مع البيانات، وتضع قواعد واضحة للمساءلة، وتمنح الأطباء دوراً مركزياً في صياغة مستقبل التقنية.

خلاصة طرح الدكتور الفياض، ومن تجارب الأنظمة الصحية الرائدة وقيادته للتحوّل الصحي، أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره منافساً للطبيب، وإنما باعتباره قوة جديدة ترفع قدرته على المعرفة والتحليل واتخاذ القرار.

التقنية قد تكون خارقة في سرعة الحساب وتحليل البيانات، لكن الطب يظل علماً إنسانياً يحتاج إلى خبرة الطبيب وحكمه المهني وتواصله مع المريض.

المستقبل الصحي لن يكون معركة بين الإنسان والآلة، بل شراكة جديدة بين عقل الإنسان وقدرة الآلة.

يظل الطبيب صاحب القرار المهني، وإلى جواره منظومة قادرة على قراءة ملايين البيانات وتحليلها خلال ثوانٍ. والمريض هو المستفيد الأول من نظام يستطيع أن يفهم احتياجاته بصورة أسرع وأكثر دقة.

وهنا تكمن الرسالة الأعمق: الذكاء الاصطناعي لا يصنع المستشفى الذكي وحده؛ الإنسان هو الذي يحدد كيف ولماذا وأين تُستخدم هذه القوة.

وعندما تلتقي خبرة الطبيب مع قدرة الآلة، تصبح التقنية أكثر من مجرد ابتكار؛ تصبح وسيلة لإعادة صياغة مستقبل الرعاية الصحية التخصصية، وهذا ما يسعى إلى تحقيقه مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في ظل الرؤية ومعطياتها المستقبلية.