لم يعد البحر في جدة مجرد أفقٍ أزرق يلامس أطراف المدينة، بل بات جزءًا من إيقاعها اليومي، ومساحةً مفتوحةً تتقاطع فيها الرياضة والترفيه والسياحة والثقافة.

ومع أول خيوط الصباح، تبدأ الواجهات البحرية باستقبال هواة المشي والركض وركوب الدراجات، فيما تتبدل ملامحها مع حلول المساء، لتصبح مقصدًا للعائلات والزوار، حيث تتجاور الجلسات والمطاعم والمقاهي والأنشطة الترفيهية في مشهد يعكس وجهًا جديدًا لجودة الحياة في المدينة.

البحر.. نبض المدينة

ومنذ أن اتخذت جدة موقعها على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، كان البحر أكثر من عنصر جغرافي؛ فقد كان بوابتها إلى العالم، وارتبطت مياهه بحركة التجارة وقوافل الحجاج والتواصل بين ثقافات وشعوب جاءت إلى المدينة من جهات مختلفة. واليوم، تعود هذه العلاقة إلى الواجهة، لكن بصيغة حضرية حديثة تحول الساحل من حدود للمدينة إلى مساحة نابضة بالحياة.

وتتوزع التجربة البحرية في جدة على خمس واجهات رئيسة؛ هي واجهة روشن البحرية، وواجهة أبحر، والكورنيش الشمالي، والكورنيش الأوسط، وشاطئ السيف، حيث تتكامل المساحات المفتوحة مع ممرات المشاة ومسارات الدراجات ومناطق الألعاب والجلسات والمرافق الرياضية والمطاعم والمقاهي، لتمنح السكان والزوار خيارات متعددة لقضاء أوقاتهم بمحاذاة البحر.

مساحات تصنع الحياة

وعلى امتداد الساحل، تبدو المسافات وكأنها خيوط ترسم خريطة جديدة للحياة اليومية؛ فممشى واجهة جدة البحرية يمتد لنحو 4.5 كيلومتر، فيما يصل طول ممشى شاطئ السيف إلى نحو ثلاثة كيلومترات، ويمتد الكورنيش الشمالي لنحو 3.85 كيلومتر. وبين هذه المسارات، يجد المشاة والعداؤون وراكبو الدراجات مساحة مفتوحة لممارسة النشاط والاستمتاع بالمشهد البحري في آن واحد.

لكن حكاية جودة الحياة في جدة لا تنتهي عند الشاطئ؛ ففي الأحياء تنتشر المماشي والحدائق، فيما تجاوز عدد الحدائق الداخلة 443 حديقة، لتضيف إلى النسيج الحضري مساحات خضراء ومتنفسات مفتوحة ومرافق تخدم المجتمع. وتبرز حديقة الأمير ماجد، الممتدة على مساحة تتجاوز 130 ألف متر مربع؛ بوصفها إحدى الوجهات التي تجمع الطبيعة ومسارات الحركة والمرافق الترفيهية في فضاء واحد.

وفي المناطق العمرانية الجديدة، لم تعد الحدائق والممرات الرياضية عناصر تضاف في نهاية عملية التخطيط، بل أصبحت جزءًا من الصورة منذ بدايتها. وفي أبريل 2026، كشفت أمانة جدة عن 28 مخططًا خاصًا قيد التنفيذ، تضم 7,957 قطعة على مساحة إجمالية تتجاوز 15.7 مليون متر مربع؛ من بينها نحو 743,927 مترًا مربعًا مخصصة للمساحات الخضراء، إلى جانب مسارات للمشي والدراجات وملاعب رياضية.

وعندما يحل الصيف، يتسع المشهد ليأخذ طابعًا سياحيًا أكثر حضورًا؛ ففي صيف 2026، عززت جدة جاهزيتها البحرية عبر 12 شاطئًا وموقعًا بحريًا، جرى تجهيزها للسباحة والأنشطة الشاطئية، مع توفير 66 منقذًا ومنقذة للعمل على مدار الساعة خلال فترة الإقبال، لتتحول مياه البحر الأحمر إلى مساحة أوسع للتجربة والاستكشاف والاستمتاع.

الساحل يفتح أبوابه

وفي خلفية هذا المشهد، يأتي تنظيم الأنشطة الساحلية ليمنح التجربة البحرية إطارًا أكثر تكاملًا. بالإضافة إلى تنظيم وتمكين السياحة الساحلية من خلال أطر تنظيمية تهدف إلى رفع جودة التجربة وتعزيز السلامة لممارسي الأنشطة والزوار، إلى جانب توفير بيئة أوضح للمستثمرين ومقدمي الخدمات، بما يدعم تنوع التجارب السياحية واستدامتها على ساحل البحر الأحمر.

غير أن البحر في جدة يحمل ذاكرة أقدم من كل هذه الواجهات الحديثة؛ ففي جدة التاريخية، لا يزال أثر الميناء القديم حاضرًا في قصة مدينة ظلت قرونًا تستقبل الحجاج والتجار والقادمين من أنحاء العالم. ومن هنا تأتي مشاريع إحياء المنطقة التاريخية لتعيد صياغة العلاقة بين المدينة ومائها، وتستحضر جانبًا من الدور الذي لعبه البحر في تشكيل شخصية جدة.

وفي إطار تطوير الواجهة البحرية لبحيرة الأربعين، فهو يتضمن إعادة تشكيل الحوض وإنشاء ممشى بحري بطول 972 مترًا، إلى جانب 490 مترًا من الجدران البحرية الداعمة وتطوير البنية التحتية. كما تتضمن مبادرة تجديد الواجهة البحرية في جدة التاريخية حديقة تمتد لنحو 260 ألف متر مربع، وواجهة بحرية بطول 4.4 كيلومتر، مع زراعة نحو 3,600 شجرة، وخطط لإنشاء مرسى لليخوت ومساحات خضراء وجسور للمشاة ومرافق عامة.

ذاكرة البحر والتاريخ

وهكذا، يتغير موقع البحر في الحكاية الجداوية؛ فلم يعد مجرد منظر يستقر خلف المدينة، وإنما أصبح مساحة تتحرك فيها تفاصيل الحياة، من ممشى رياضي يبدأ مع الصباح إلى مطعم يطل على الغروب، ومن شاطئ يستقبل الزوار إلى حي تاريخي يحتفظ بذاكرة الميناء. وفي المسافة بين هذه المشاهد، تتشكل صورة مدينة تستعيد البحر بوصفه جزءًا من حاضرها كما كان جزءًا من ماضيها.

ولعل ما يمنح جدة خصوصيتها أن تفاصيل يوم واحد فيها تستطيع أن تختصر حكاية مدينة كاملة؛ يبدأ من البحر وممراته، ويمر بالأنشطة والمطاعم والضيافة، ثم يقود إلى أزقة جدة التاريخية وذاكرتها العريقة. رحلة قصيرة في المكان، لكنها واسعة في التجربة، تجمع الطبيعة بالترفيه، والسياحة بالثقافة، والحداثة بجذور المدينة.

ومع استمرار تطوير الواجهات البحرية والحدائق والمخططات العمرانية والمواقع التاريخية، تبدو جدة وهي تعيد ترتيب علاقتها بالبحر على نحو يتجاوز الصورة التقليدية للمدينة الساحلية. فالساحل يدخل في تفاصيل السكن والعمل والرياضة والترفيه والسياحة، بينما تظل الذاكرة التاريخية حاضرة في الخلفية، لتكتمل صورة مدينة يلتقي فيها زرقة البحر بظلال التاريخ، وتتحول فيها الواجهة البحرية من مشهد يُرى إلى حياة تُعاش.