لم تكن «إليزابيث نيومان» سوى واجهة رقمية وهمية لشركات لندنية براقة تدير مليارات الدولارات، لكن انهيار هذه الإمبراطورية المالية لم يأتِ عبر اختراق سيبراني معقد، بل بفضل «طوق قطة بنفسجي» قاد استخبارات الإنترنت لكشف أخطر شبكة لتمويل الحوثيين.

رئيسة تنفيذية وهمية

بدأت القصة عندما حاولت شبكة مالية معقدة إخفاء هويتها خلف مديرة تنفيذية مزيفة، مستخدمة مقاطع فيديو جاهزة من الإنترنت لتأسيس منصات تداول رقمية دولية مثل (Zedcex) و(Zedxion). وبينما كانت الشبكة تروج لتحديثاتها التقنية عبر تطبيق «تيليجرام» لإغراء المستثمرين، ارتكب أحد المشغلين خطأً غير متوقع بنشر صورة عفوية لقطته البيضاء التي ترتدي طوقاً مميزاً بجرس بنفسجي.

حجر «الروزيتا» الرقمي

التقط محققو «استخبارات المصادر المفتوحة» (OSINT) هذا الخيط الاستثنائي. وعبر مطابقة زوايا الأثاث المنزلي وصورة القطة مع حسابات مهندسين وشخصيات مقربة من الحرس الثوري الإيراني، تبين أن الصورة التُقطت داخل طهران. شكلت هذه الهفوة البسيطة حلقة الوصل التي ربطت المنصات اللندنية مباشرة بمحيط رجل الأعمال الإيراني المعاقب دولياً، بابك زنجاني.

كشفت التحقيقات الاستخباراتية أن هذه الشبكة لم تكن مجرد واجهة لغسل الأموال، بل عملت كصراف آلي عابر للقارات يلتف بالكامل على النظام المصرفي الدولي (SWIFT). وجرى استغلالها لتحويل عائدات النفط الإيراني المهرب إلى عملات مشفرة ثابتة (USDT)، لتتدفق مئات الملايين منها مباشرة إلى حسابات قيادات حوثية في اليمن، بهدف تمويل شراء أجزاء الطائرات المسيرة، والصواريخ الباليستية، وعمليات البحر الأحمر.

ضربة مالية دولية

تداعيات «هفوة القطة» أدت إلى تحركات دولية صارمة، إذ أصدرت الخزانة الأمريكية حظراً شاملاً ضد منصة (BitBank)، الذراع البرمجية الأحدث لزنجاني، فيما جمدت منصات التداول الكبرى حسابات سرية مرتبطة بالشبكة تدفقت عبرها مئات الملايين. هذا الخناق الرقابي دفع زنجاني للخروج عبر منصة (X) متهماً واشنطن ب«الابتزاز»، ومعترفاً بشكل غير مباشر بمساعي مصادرة 660 مليون دولار من أصوله المشفرة، لتُكتب نهاية شبكة معقدة أُديرت من الظل، وفضحتها صورة لحيوان أليف.

لم تكن تلك الشبكة المشفرة مجرد قضية احتيال عابرة، بل هي الشريان المالي المغذي للتصعيد الإقليمي الخطير. وتكشف أحدث التقارير الاستخباراتية عن تحول كارثي، إذ تسعى طهران وميليشيا الحوثي على محاولة تعزيز نموذج «إتاوات السفن»، فارضةً رسوم عبور مشبوهة تصل إلى مليوني دولار للسفينة الواحدة، تُسيّل وتُغسل عبر ذات المنصات المشفرة. هذا الضخ المالي الرقمي هو ما يموّل عمليات الميليشيا الحوثية، بالتزامن مع رصد المشرف المالي وقيادات عسكرية في فيلق القدس من بينهم عبدالرضا شهلائي، على الساحل الغربي لليمن، مما دفع واشنطن لإصدار تحذيرات أمنية عاجلة. هكذا تُدار حروب الظل الحديثة، شبكة معقدة لتهديد الملاحة والاقتصاد العالمي، أُديرت في الخفاء.. ولم يسقطها اختراق استخباراتي، بل فضحها «طوق قطة بنفسجي».

لكن القصة لم تتوقف عند القطة ذات الطوق البنفسجي. ففي سبتمبر 2026، قالت شركة TRM Labs المتخصصة في تتبع العملات المشفرة، إن ما بدا في البداية منصتين منفصلتين للعملات الرقمية تطوّر عند تتبع الأشخاص والبنية التحتية والعلاقات بين الشركات إلى شبكة أوسع، وقدرت الشركة النشاط المرتبط بالحرس الثوري عبر «Zedcex» و«Zedxion» بنحو مليار دولار.

وقبل أيام، أعلنت النيابة الأمريكية في نيويورك سعيها لمصادرة نحو 61 مليون دولار من العملات المشفرة، قالت إنها عائدات من بيع النفط الإيراني في السوق السوداء ومخصصة لتمويل الحكومة والجيش الإيرانيين.

واللافت أن تمويلات إيران لميليشيا الحوثيين لم تختفِ من هذه الخريطة المالية. فقد قالت TRM Labs إن التحقيق السابق في شبكة زنجاني كشف تحويلات تجاوزت 10 ملايين دولار إلى سعيد أحمد محمد الجمل، الذي تصفه الخزانة الأمريكية بأنه مسؤول مالي بارز لدى الحوثيين ومدعوم من الحرس الثوري. وهكذا، فإن صورة القطة التي كشفت صلة شخصية بشبكة تبدو للوهلة الأولى مجرد مشروع للعملات المشفرة، انتهت إلى خريطة أوسع تمتد من واجهة تنفيذية وهمية وشركات رقمية إلى شبكات مالية إيرانية، وعمليات للحرس الثوري، وصولًا إلى أحد أبرز مسارات تمويل الحوثيين.