في الأوطان شيءٌ لا تشرحه الخرائط...
شيءٌ يشبه الأم،
نعرف قيمته قبل أن نتعلّم معنى الأشياء،
ونسكن إليه قبل أن نعرف معنى الأمان.
والسعودية... ليست أرضًا نسكنها،
السعودية هي التي تسكننا.
تسكن في أسمائنا،
في ملامح آبائنا،
في دعوات أمهاتنا،
في أول الطريق... وفي آخره.
تسكن في ذلك الشعور الذي لا نراه،
لكننا نشعر به حين نعود إليها من سفرٍ طويل،
فننظر من نافذة الطائرة إلى أرضها،
ويحدث في القلب شيءٌ
لا تستطيع اللغة أن تصفه.
هنا وطنٌ لم يولد عابرًا في التاريخ.
خلف كل شبرٍ منه حكاية،
وخلف كل رايةٍ خضراء رجالٌ
حملوا الحلم يوم كان الحلم أصعب من الطريق،
ومضوا فوق صخور الخوف والجوع والتعب،
حتى جمعوا الشتات،
وصنعوا من الصحراء وطنًا،
ومن التفرّق وحدةً،
ومن الحلم دولةً تقف اليوم بين الأمم شامخة.
لهذا...
حين نرفع الراية،
فنحن لا نرفع قطعة قماش.
نحن نرفع ذاكرة أجدادٍ رحلوا،
وأعمار رجالٍ مضوا،
ودعوات أمهاتٍ انتظرن أبناءهن،
ونرفع قصة وطنٍ دُفع من أجل بقائه الكثير.
وفي يومنا الوطني،
لا نسأل فقط:
ماذا أعطانا الوطن؟
بل نسأل أنفسنا الأسئلة الصعبة:
ماذا سنترك نحن لهذا الوطن؟
أيّ سعوديةٍ سيجدها أبناؤنا بعدنا؟
هل سيجدونها كما وجدناها عزيزة؟
أم سيجدونها أعز؟
هل سيقرأون أسماءنا كما نقرأ أسماء من سبقونا،
ويقولون: هؤلاء مرّوا من هنا...
فتركوا الوطن أجمل مما وجدوه؟
ذلك هو الحب الحقيقي للوطن.
فالوطن لا يحتاج منّا قصيدةً في يوم،
بقدر ما يحتاج منّا عمرًا من الوفاء.
أن نخلص حين لا يرانا أحد،
أن نبني حين يكون البناء شاقًا،
أن نحمي سمعته كما نحمي أسماءنا،
وأن ندرك أن كل واحدٍ منّا
يحمل شيئًا من السعودية أينما ذهب.
يا وطني...
ربما لا نستطيع أن نردّ لك كل ما منحتنا،
لكننا نستطيع أن نكون جديرين بك.
أن نحمل رايتك بقلوبٍ نظيفة،
وسواعد تعمل،
وعقولٍ تؤمن أن المجد ليس شيئًا نرثه فقط...
المجد أمانة.
وأن الوطن الذي صنعه الأجداد بالرجال،
لا يحفظه الأبناء بالكلمات وحدها،
بل بالعمل...
والوفاء...
والانتماء الذي لا يتغير حين تتغير الأيام.
السعودية...
يا وطنًا بدأ حكايةً في قلب الصحراء،
ثم أصبح حلمًا يلامس السماء...
سنكبر،
وستتغير وجوهنا،
وستمضي بنا السنوات،
وسيرحل منّا من يرحل،
وتأتي أجيالٌ لا تعرف أسماءنا...
لكن ستبقى هذه الأرض.
سيبقى أخضر الراية فوقها،
وستبقى كلمة التوحيد تعانق السماء،
وسيولد طفلٌ سعودي بعد مئة عام،
ينظر إلى هذا الوطن بالفخر نفسه الذي نشعر به اليوم.
وحينها...
لن يكون مهمًا أن يعرف من كنّا،
يكفينا أن يعيش في وطنٍ
ساهمنا يومًا في أن يبقى عظيمًا.
فالأوطان العظيمة لا يسكنها أبناؤها فقط...
بل يمرّون فيها جيلًا بعد جيل،
ويبقى الوطن.
دمتِ يا السعودية...
الأرض التي نولد عليها مرة،
وتولد فينا كل يوم.