لعل أبلغ من يتحدث عن العظماء؛ إنجازاتهم ومواقفهم؛ وما توحيد ووحدة المملكة بتاريخها وجغرافيتها إلا شاهد من شواهد استثنائية للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي انطلق متوكلاً على الله بعزيمة راسخة ليجعل من الشتات كياناً واحداً موحداً؛ فكان سيد الإنجازات في وطنه؛ وإمام التسامح والاحتواء مع شعبه؛ وحقاً أنه الصدر الرحب الذي شيّد مملكة وثيقة الصلة بأرومتها العربية؛ منفتحة الآفاق على الأمم والتجارب الإنسانية؛ وما كان لهذه الغايات أن تتحقق لولا أن من يقود زمامها ملك سامٍ في أخلاقه؛ متسامياً عند اتخاذ القرار قبل أن يوقع أوراقه؛ متحلياً بصبر الكرام من الرجال، مكتسياً حلة الوقار والمهابة دون تكلف، متجللاً برداء التواضع.
وستظل شخصية الملك عبدالعزيز محل دراسة، ومواقفه موضع تحقيق وتأمل؛ ونبله ونقاء سريرته يتبوأ المقام الأرفع بين معاصريه من سياسيين ومثقفين ومفكرين، وإذا كان الأبطال في ذاكرة الشعوب والدول والحكومات (حالات) فإن مؤسس المملكة العربية السعودية (نموذج) قلّ ما جاد الزمان بمثله، فهو الأصيل المتمسك بأصول ومبادئ الدين الإسلامي وأخلاق العروبة؛ وهو المعاصر فكراً وسلوكاً وفهماً للواقع والمتغيرات.
وما دانت له جزيرة العرب، إلا لأنه أهل بنموذج الشخصية الفريدة، وببسالة الشجعان الذين لا يخشون أمام طموحاتهم فقد أرواحهم، وكم كان (أخو نورة) قدوة أولاده وإخوانه وجيشه؛ بالتقدم للأمام؛ وذلك معنى «يجود بالنفس إن ضنّ البخيلُ بها، والجودُ بالنفس أقصى غاية الجود» ما دفع كل فرد من رفقته وجنوده إلى افتدائه بالنفس والنفيس؛ وكم واجه الموت مراراً.. ثابت الأركان؛ متوثب الجَنَان؛ إيماناً بأن الأعمار بيد الله؛ وأن الموت في سبيل الهدف العظيم شهادة؛ والله عَلِمَ نواياه فحقق مبتغاه.
البطولة تولد ولا تصنع
لا ريب أن وصف (البطل) الذي أطلقه معاصرو الملك عبدالعزيز عليه؛ تنطبق بكل دلالته؛ فهو منذ ولادته بطل، والبطولة تولد ولا تُصنع، وهو منذ ريعان صباه؛ حامل لواء مسؤولية استعادة وطنه، وإذا كان زمن وحدته يشهد على أن سيفه لم يكن يفارق يمينه، إلا أنه يتخلى عنه أول ما يصله خبر وفود أحد خصومه السابقين عليه؛ لأنه فارس يعرف ما للمنكسر من حقوق ترفع معنوياته وتشعره بالطمأنينة وسرعان ما يلتحق بركب ملك يعرف قَدْر الرجال.
مقومات ذاتية لأعظم موحّد
أوضحت مصادر عربية وغربية، أن الملك عبدالعزيز، يتحوّل في لحظة دخول أبيه الإمام عبدالرحمن عليه، إلى ابن متذلل لأبيه؛ متودداً له؛ يحني له قامته؛ ويجلسه في صدارة مجلسه؛ ويقف على رأسه ليسمع منه التوجيه، ويلبي له الطلب، وإن جلس فبطلب من أبيه؛ ولكن يجلس بين «أخوياه» وكأنما هو واحد منهم، ومما رواه المؤرخ المستشار النمساوي محمد أسد «لم يكن الملك عبدالعزيز يرضى أن يصعد إلى دور ثانٍ من قصره ووالده في الدور الأول ويقول؛ «لا أستطيع أن أسمح لنفسي بالمشي فوق رأس أبي»، وهذه النفس الكريمة الأبية تؤكد معنى البساطة والعمق في آن واحد، ولا خلاف على أن برّ الوالدين من أسباب التوفيق.
ومن أسباب التفاف قبائل العرب حول الملك عبدالعزيز؛ أنه انطلق من رسالة إسلامية، تُعلي شأن العقيدة الإسلامية الخالصة، وكان قدوة في تطبيق الشريعة على نفسه وإخوته وأولاده، فلا تناقض بين أقوال وأفعال؛ كما أنه أمّن الناس في دورهم وأسفارهم وحفظ حقوقهم وحقن دماءهم بالعدل واحتكامهم إلى القضاء الشرعي؛ واعتنى بالتعليم وكأنه يرى مستقبل وطنه في صدارة العالم منذ تلك اللحظة، والصدارة تقوم على المعرفة، والوعي، وكلاهما رهن التعلّم فاعتمد مديرية للمعارف، واستقطب المعلمين، ووجه بفتح المدارس، والاعتماد على النفس في توفير الحاجات من البيئة دون تعسف في المطالب.
لا خاب من استشار
كان من الضروري توطين البدو الرحّل، ليتمكن من إتمام رسالته بتعليم شعبه أمور دينهم ودنياهم، ليسهموا مع بعضهم في خدمة وطنهم، وأسّس الجيش النظامي، واستورد ما يلزم من أجهزة اتصالات توفر الوقت والجهد بين المناطق بحكم تباعد المسافات، وأعلن عن تأسيس مجلس الشورى، وعيّن نخبة من كبار الشخصيات السياسية العربية مستشارين له؛ واستوعب مواقف الدول والزعامات من القضايا، فكانت المشورة منطلقاً إلى كثير من قراراته الصائبة، وكان الحزم ديدنه عقب الاستخارة فيما يتردد فيه مستشاروه، وكثيراً ما ردد (ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار، ولا عال من اقتصد).
عزوة ملك أنصفت شقائق الرجال
كان لفضليات النساء حضورهن في حياة الملك عبدالعزيز؛ فوالدته الأميرة سارة بنت أحمد السديري، اهتمت بتربيته وتوجيهه، وكان يذكر دورها في كل مناسبة ويعتز بذلك، وأخته الأميرة نورة التي شدّت من أزره لاسترداد الرياض وتأسيس المملكة العربية السعودية، وكانت ملازمة له بالمشورة وإدارة شؤون القصر، والأميرة نورة بنت عبدالرحمن الفيصل آل سعود لم تكن امرأة عادية؛ بل تجاوزت نساء وقتها بما تملكه من أعلى درجات الحكمة ورجاحة العقل وحسن التدبير، وما حملته من قلب كبير اتسع للمحتاجين والأيتام، وقدراتها العالية على حل مشكلات المحيطين بها من داخل الأسرة وخارجها، وكانت ذات آراء وأفكار خلاقة، ما دفع شقيقها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن إلى أن يعتزي بها: (أنا أخو نورة) إضافة إلى عمته الأميرة الجوهرة بنت فيصل بن تركي التي عملت على تنمية روح العزيمة، ودفعه إلى استعادة تأسيس الدولة، ودعته إلى تثقيف النساء في قصره وتعليمهن، فكان يحبها ويجلوها ويستشيرها في شؤون الأسرة، فكانت خير سند وعون له.
تفادي الصدامات امتصاص ردود الأفعال
المؤرخ الدكتور محمد آل زلفة؛ أوضح أن المؤرخين الغربيين تحديداً انبهروا من شخصية الملك عبدالعزيز؛ مستعيداً ما قاله المؤرخ الألماني (داكوبرت فون مبكوش) عن تفاديه للصدامات واللباقة في امتصاص ردود الأفعال، إذ قال: «نجح ابن سعود أيما نجاح في إيجاد الحلول لكل مشكلة، والتوفيق بلباقة بين المعطيات.. هادفاً إلى إيجاد طريق وسط بين الكلاسيكية المتعصبة والتقدمية العصرية، بحيث تفيد بلاده من جميع المستحدثات العصرية دون مساس بالدين أو بالتقاليد أو العادات الموروثة. وهو أمر على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للمملكة العربية السعودية التي تضم مكة، وفيها الكعبة، قبلة المسلمين، وعليها أن تكون أكثر الأمم الإسلامية تمسكًا بأحكام الدين والقرآن الكريم».
وأضاف آل زلفة؛ إن من أبلغ الشهادات عن الملك عبدالعزيز ورد على لسان أول أمين عام للجامعة العربية عبد الرحمن عزام، الذي قال: «كان الملك عبدالعزيز متعدد الجوانب، كامل الرجولة لا أعرف أن أحدًا التقى به من خصومه أو مواليه إلا أثّر فيه بشخصيته التي لم يجد التاريخ إلا نادراً بمثلها، عرفته وهو لا يملك من المال لإدارة هذا الملك الواسع إلا الكفاف. وعرفته والدنيا تفيض بين يديه خيراً وبركة، فلم يكن إلا عبدالعزيز بن سعود. ولداً سيداً ومات سيداً. يعطي كل ما يملك من القليل ويعطي كل ما بيده من الكثير».
عناية بقضايا الأمة العربية والإسلامية
لم تغب القضية الفلسطينية عن وجدان وكيان الملك عبدالعزيز؛ ويؤكد المؤرخ الدكتور محمد آل زلفة، أن الملك عبدالعزيز، كان السند الأول والقوي للشعب الفلسطيني حينما لم يكن هناك أحد يناصره في نضاله لإزالة الظلم عن نفسه؛ لافتاً إلى وضوح موقف الملك عبدالعزيز إبان اجتماعه والرئيس الأمريكي (روزفلت) به في البحيرات المرة، إذ خصص معظم حديثه عن القضية الفلسطينية، وكذلك عندما التقى رئيس الوزراء البريطاني (ونستون تشرتشل) إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية وكانت قضية فلسطين محور اللقاء.
ويرى آل زلفة؛ أن الملك عبدالعزيز؛ الزعيم العربي الأوحد والمستقل الذي تبنى قضية فلسطين بنفس الأهمية التي شغل نفسه على مدى أكثر من ثلاثين عاماً وهو يوحد بلاده رغم كل الظروف الصعبة والتحديات الإقليمية والدولية والتآمر.
وأورد آل زلفة تصريحاً للمفوض السياسي البريطاني في الكويت (هارولد ريتشارد باتريك ديكسون)، إذ قال: «أرجو أن يعرف أبناء هذا الجيل من العرب والسعوديين وغيرهم بأن موحد بلادهم ومن بعده أولاده وأحفاده مسنودين بقوة وإرادة شعب المملكة العربية السعودية، لم يتوانوا أو يتوقفوا يوماً عن مساندة قضايا أمتهم العربية حتى وإن جحد الجاحدون».