عندما نتحدث الآن عن جيل الشباب السعودي، فذلك يعني غالباً الحديث عن المولودين في بداية الألفية الجديدة، وقبلها أو بعدها قليلاً، الذين لم يعاصروا أحداثاً جساماً مر بها وطنهم، ومؤامرات خبيثة استهدفت أمنه ووحدته، بدءاً من محاولة شيطنة المملكة بعد أحداث 11 سبتمبر، ثم انفجار موجة الجرائم الإرهابية في مدن المملكة بواسطة شباب تم غسل أدمغتهم، ليقتلوا أهلهم ويمارسوا التخريب في وطنهم، وصولاً إلى ما سُمي بالربيع العربي، الذي كان من ضمن مخططه استهداف المملكة دولةً ووطناً بتوظيف عملاء من الخارج وخونة من الداخل، لكن يقظة الدولة وحزمها أجهزت على تلك المؤامرات الخطيرة وانتشلت الوطن من الأخطار المحدقة به، وبدأت مرحلة تأريخية جديدة من النماء والازدهار والأمن والاستقرار تقودها الرؤية الوطنية الشاملة.
وإذا عدنا إلى الماضي البعيد، فقد لا يعرف هذا الجيل تفاصيل كثيرة عن كيف نشأت الدولة السعودية الثالثة على يدي المغفور له الملك عبدالعزيز، في خضم مصاعب وأخطار عظيمة، وكيف عبرت بأمان في ظل ظروف عالمية دقيقة، وكيف توحدت أجزاؤها عبر ملاحم من البطولات لتصبح هذا الكيان الذي نعيش فيه، والذي صمد أمام سلسلة من المؤامرات خلال الغوغائية التي سادت العالم العربي في حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي. لقد عبر الوطن كل تلك الفصول الصعبة بحكمة وشجاعة القيادة، وتلاحم الشعب معها ووقوفه سداً منيعاً وجداراً حصيناً في وجه الاختراقات والدسائس والتضليل والتحريض والدعاية الإعلامية الرخيصة، وقد ذهب المضللون بأكاذيبهم وتركوا أوطانهم ترزح في المتاعب، بينما مضى هذا الوطن يبني نفسه بشرياً ومادياً دون صخب ليصل إلى ما وصل إليه.
نحن نعيش الآن مناسبة عظيمة خالدة هي ذكرى اليوم الوطني، اليوم الذي لا تخرج فيه الآليات العسكرية في الشوارع، ولا يصطف الجنرالات على المنصات بنياشينهم، ولا يهتف المغلوبون على أمرهم بالحرية والديموقراطية، التي لا يعرفون منها سوى اسمها، بينما هم يبحثون عن لقمة العيش الضنينة في أنظمة تحصي أنفاسهم. في يومنا الوطني تنتصب شواهد التنمية كأدلة عملية على كيفية إدارة الأوطان بالعمل المخلص، ويخرج الناس إلى مواقع الاحتفالات في بهجة طبيعية عفوية للاحتفاء بوطنهم وقيادتهم، دون رياء وتملق. الكبار والصغار يتوشحون أعلام الوطن، ويغنون للوطن، ويهنئون أنفسهم بما هم فيه من أمن وطمأنينة. وهنا يتضح الفرق بين من يُقادون قسراً لترديد شعارات لا يؤمنون بها، ومن يخرجون طوعاً للتعبير الحقيقي عن حبهم لأوطانهم وولائهم لقيادتهم.
جيل الشباب الذي يقطف الآن ثمار مسيرة العمل والبناء والتنمية الشاملة، يجب أن يعرف جيداً تأريخ وطنه ليس فقط من أجل الزهو به، ولكن أيضاً ليعرف كيف استطاع التغلب على المصاعب وتحييد الأخطار وإطفاء الفتن وإفشال المؤامرات. وعليه أن يعرف أننا ما زلنا نواجه تحديات كبيرة في مرحلة عالمية راهنة مشوبة بالاضطراب والضبابية، تحاول المملكة خلالها المضي بسفينة الوطن بأمان إلى المستقبل الذي ترنو إليه، معتمدة على جيل يتسلح بالوعي والعلم والانتماء.