لم يكن الاجتماع الأول لمجلس شؤون التعليم العام مجرد تدشين لمجلس جديد في منظومة التعليم، بقدر ما كان بداية لمرحلة مختلفة في حوكمة التعليم العام وصناعة قراراته. ومن بين الملفات التي استعرضها المجلس مشروع ضوابط الإسناد للشراكة مع القطاع الخاص وغير الربحي في التعليم العام، وهو ملف يستحق أن نتوقف عنده طويلًا؛ ليس اعتراضًا على الشراكة، وإنما لأن نجاحها يبدأ من وضوح السؤال الذي تسبق به الدولة أي عملية إسناد: ما الذي نريد أن يضيفه القطاع الخاص إلى المدرسة؟
هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع نظام التعليم العام الجديد، الذي أعطى مشاركة القطاعين الخاص وغير الربحي مساحة واضحة في المنظومة، سواء في تقديم الخدمات التعليمية أو في الإدارة والتشغيل والاستثمار. فالنظام يتيح للوزارة إسناد بعض مهماتها التعليمية أو إدارة وتشغيل بعض المؤسسات التعليمية إلى القطاع الخاص أو غير الربحي، كما يجيز إسناد بعض الأراضي والمباني التعليمية لإدارتها أو تشغيلها أو استثمارها، ويشجع القطاع الخاص، بما فيه المستثمر الأجنبي، والقطاع غير الربحي على الاستثمار في التعليم العام.
إذن، لم يعد السؤال: هل يشارك القطاع الخاص في التعليم؟ فهذا الاتجاه أصبح جزءًا من التنظيم الجديد للقطاع. السؤال الأهم الآن هو: كيف يشارك؟ وما الحدود الفاصلة بين الاستفادة من عقلية القطاع الخاص في الكفاءة والابتكار، وبين إخضاع المدرسة نفسها لمنطق السوق؟
ثمة فرق كبير بين أن يستعين التعليم العام بالقطاع الخاص، وأن يُدار التعليم بمنطق القطاع الخاص. فالأولى يمكن أن تكون وسيلة مهمة لتطوير الخدمات، ورفع كفاءة التشغيل، وتسريع الإنجاز، وجلب الخبرات والاستثمارات والابتكارات التي يصعب أحيانًا تطويرها بالسرعة نفسها داخل الجهاز الحكومي. أما الثانية فتطرح سؤالًا مختلفًا: هل المدرسة مؤسسة يمكن أن تخضع، في غاياتها وقراراتها، لمعادلات الكلفة والعائد، أم أنها مؤسسة وطنية تتجاوز قيمتها ما يمكن أن يظهر في ميزانية مالية؟
القطاع الخاص ليس متهمًا هنا، ومن الخطأ أن نضع الدولة والسوق في مواجهة مصطنعة. فالقطاع الخاص بطبيعته يبحث عن الكفاءة والاستدامة وحسن إدارة الموارد وقياس الأداء، وهذه مزايا يحتاج إليها التعليم، لا عيوب ينبغي أن يخشاها. بل إن التعليم السعودي يستطيع أن يكسب كثيرًا من مرونة القطاع الخاص وسرعة قراره وقدرته على الابتكار والمنافسة وتطوير الخدمات.
لكن الإشكال يبدأ حين تتحول أدوات السوق إلى غايات للتعليم.
فالطالب ليس عميلًا بالمعنى التجاري، والمعلم ليس موظف مبيعات، والمدرسة ليست فرعًا تجاريًا، والنجاح التعليمي لا يمكن اختزاله في عدد المستفيدين أو خفض تكلفة الطالب أو ارتفاع مؤشرات الرضا. المدرسة تصنع شيئًا أكثر تعقيدًا من الخدمة؛ إنها تبني معرفة وشخصية وقيمًا وانتماءً وقدرة على التفكير والعمل والعيش مع الآخرين.
ولهذا قد يكون القرار التربوي الجيد مكلفًا اقتصاديًا في ظاهره. معلم متميز لعدد أقل من الطلاب قد يكلف أكثر، ومختبر علمي متطور قد لا يُستخدم كل ساعة من اليوم، وبرنامج لمعالجة الضعف القرائي قد يحتاج سنوات قبل أن تظهر آثاره، ومدرسة في قرية صغيرة قد لا تحقق الكفاءة التي يبحث عنها نموذج تجاري، لكنها تحقق للدولة قيمة اجتماعية وتنموية لا تظهر بسهولة في قوائم الأرباح والخسائر.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية ضوابط الإسناد التي ناقشها مجلس شؤون التعليم العام. فالتحدي ليس في أن يدخل القطاع الخاص إلى المدرسة، وإنما في تصميم العلاقة معه بحيث نحصل على أفضل ما لديه من كفاءة ومرونة وابتكار، من دون أن نفقد الخصائص التي تجعل التعليم مسؤولية وطنية تتجاوز الحساب الاقتصادي.
فالتعليم العام تحكمه اعتبارات لا يستطيع السوق وحده أن يكون مسؤولًا عنها؛ في مقدمتها العدالة وتكافؤ الفرص والوصول إلى كل طفل، بمن فيهم الطالب في المناطق الأقل جذبًا للاستثمار، والطالب الذي يحتاج إلى دعم إضافي، وذوو الإعاقة، والموهوبون، ومن ترتفع تكلفة تقديم الخدمة التعليمية لهم.
السوق يستطيع أن يسأل: كم تبلغ تكلفة تعليم هذا الطالب؟ لكن الدولة مطالبة بسؤال آخر: ماذا ستكون تكلفة عدم تعليمه جيدًا؟
والفارق بين السؤالين هو الفارق بين النظر إلى التعليم بوصفه تكلفة في سنة مالية، والنظر إليه بوصفه استثمارًا يمتد أثره لعقود.
وقد يكون من المغري في نماذج الإسناد أن تصبح المؤشرات الرقمية هي الحكم النهائي على النجاح. تكلفة الطالب، ونسبة الحضور، ومعدلات النجاح، ورضا المستفيدين، والنتائج المعيارية، كلها مؤشرات ضرورية، لكنها لا تحكي القصة كاملة. فالمدرسة قد تتعلم مع الوقت كيف تحسن أرقامها من دون أن يتحسن التعليم بالقدر نفسه.
كيف نقيس فضول الطالب؟ وكيف نضع رقمًا لقدرته على السؤال؟ وأين يظهر نضجه الاجتماعي، وعلاقته بالكتاب، وثقته بنفسه، واستقلال تفكيره، وشعوره بالمسؤولية تجاه وطنه ومجتمعه؟
أخطر ما يمكن أن يحدث للتعليم أن ننجح في قياس كل شيء تقريبًا، ثم نكتشف أننا لم نقس الأشياء التي تستحق القياس.
والمدرسة ليست مكانًا لنقل المعرفة وحدها، وإنما إحدى المؤسسات التي يتشكل فيها المجتمع نفسه. فيها يتعلم الطالب لأول مرة معنى النظام والمسؤولية والعمل الجماعي، ويلتقي بأبناء بيئات اجتماعية واقتصادية مختلفة، وتتكون أجزاء مهمة من علاقته بالوطن والآخر والمؤسسة العامة. ولهذا فإن تقييم أي نموذج جديد لإدارة المدارس ينبغي ألا يقتصر على جودة الخدمة وكفاءة التشغيل، وإنما يمتد إلى أثره في العدالة التعليمية والتماسك الاجتماعي والهوية الوطنية.
وهذا لا يعني الدعوة إلى إدارة حكومية مغلقة، ولا الدفاع عن البيروقراطية، ولا رفض الاستثمار في التعليم. العكس هو الصحيح؛ نحن بحاجة إلى القطاع الخاص، وإلى خبراته واستثماراته وقدرته على التجريب والابتكار، وربما تكون المرحلة المقبلة فرصة كبيرة لإعادة تعريف العلاقة بينه وبين التعليم العام.
لكن العلاقة الناجحة ليست التي تجعل القطاع الخاص بديلًا عن الدولة، ولا التي تجعل الدولة تقوم بكل شيء بنفسها. إنها العلاقة التي يعرف فيها كل طرف ما الذي يستطيع أن يقدمه بصورة أفضل.
يمكن للقطاع الخاص أن يقدم حلولًا في التقنية والنقل والصيانة والتغذية والمرافق والمنصات وإدارة المشاريع، ويمكن أن يمتد الإسناد وفق النظام إلى إدارة أو تشغيل بعض المؤسسات التعليمية ضمن الأطر والضوابط المعتمدة. وفي المقابل تظل الدولة مسؤولة عن تحديد غاية التعليم، وضمان العدالة، وحماية حق الطالب، وترسيخ الهوية الوطنية، والمحافظة على مكانة المعلم، وضمان ألا تتحول الكفاءة المالية إلى غاية تتقدم على الكفاءة التربوية.
فخفض تكلفة تعليم الطالب قد يبدو نجاحًا في تقرير مالي، لكنه لا يكون نجاحًا تربويًا إذا تحقق بمعلم أقل تأهيلًا، أو فصل أكثر ازدحامًا، أو نشاط أقل، أو دعم أضعف للطلاب المتعثرين. وما نوفره اليوم من التعليم قد ندفع أضعافه غدًا في ضعف الإنتاجية والحاجة إلى إعادة التأهيل ومشكلات اجتماعية واقتصادية كان يمكن للتعليم الجيد أن يحد منها.
لهذا يبدو الاجتماع الأول لمجلس شؤون التعليم العام مهمًا ليس فقط بسبب الموضوعات التي ناقشها، وإنما لأنه يؤسس لمساحة جديدة يمكن من خلالها أن تجتمع السياسة التعليمية مع الاقتصاد والاستثمار والجودة والاحتياجات الاجتماعية في قرار واحد.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يصاحب المجلس وهو يناقش ضوابط الإسناد ليس: كم تستطيع الدولة أن توفر؟ فقط، ولا: كم يستطيع القطاع الخاص أن يستثمر؟ فقط، وإنما: هل سيتعلم أبناؤنا بصورة أفضل؟
لأن كل نماذج الإدارة والتمويل والاستثمار والإسناد تصبح وسائل إذا وضعنا هذا السؤال في مركزها، وليست غايات مستقلة بذاتها.
إن مشاركة القطاع الخاص في التعليم يمكن أن تكون واحدة من أهم فرص تطوير المدرسة السعودية في المرحلة المقبلة، إذا نجحنا في أخذ أفضل ما في عقلية السوق: الكفاءة، والابتكار، والمرونة، والمساءلة، وجودة الخدمة، من دون أن ننقل معها إلى المدرسة الاعتقاد بأن كل قيمة يمكن تحويلها إلى رقم، وأن كل نجاح يمكن حسابه ماليًا.
فالمدرسة يمكن أن تستفيد من كفاءة السوق، لكنها لا ينبغي أن تفقد منطق التعليم.
وقبل أن نسأل: ما الذي يمكن إسناده إلى القطاع الخاص؟ ربما علينا أن نجيب أولًا عن سؤال أكثر أهمية: ما الذي لا يمكن إسناده؟
والإجابة ليست مبنى، ولا خدمة، ولا عقد تشغيل.
إنها غاية التعليم نفسها.